عاجل

إن المتأمل في ملكوت الله، النافذ ببصيرته إلى مخابئ فضله المنيف، يلفي أن الرحمة الإلهية في هذا الموسم الأقدس قد أُطلقت من عقال الزمان، وتفلتت من حصر المكان، فلم يعد يحدها حيز جغرافي ضيق، ولا يحجبها قيد زمني عابر. 

وما ذاك إلا لأن الحق سبحانه إنما قصد بتنزلات رحماته “حقيقة الإنسان” من حيث هو كائن رباني، لا من حيث هو جرم مادي محصور. إن الرحمة في عشر ذي الحجة تتدفق كالسيل الآتي من عُلًى، تطلب قلوبًا أحرقها الشوق، وأضناها الفقر المطلق إلى الغني المطلق؛ فمن كُتبت له خطى الحجيج الطاهرة، فقد تعرض لنفحات الروح في مظانها، يستقي من ينابيع القرب في مواطن الإجابة، ومن حبسه العذر الشرعي عن المثول بين يدي البيت، لم يُحرم من “تجلي” الرب على قلبه. 

إن الحج في جوهره “هجرة من الذات إلى الذات العلية”، ملاكها النية الصادقة، فكم من ثاوٍ في أقاصي الأرض، ساجدٍ في محراب اضطراره بقلب يتقطع زفرات، هو عند الله أقرب ممن طاف بالبدن وغاب بالروح. 

إنها “الحالة الخاصة” التي يصطنعها العبد مع مولاه، فيكاشفه بسر قوله: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19]، ليعلم أن المسافة بينه وبين ربه ليست بفرسخ ولا بريد، بل بدمعة صدق تخرق حجب الغيب، وتفتح أبواب المعرفة.

إن للحج نداءً علويًا، اصطفاه الله ليكون صرخة روحية تخترق غلائل الزمان، وتقرع آذان الأرواح وهي لا تزال في “عالم الذر”. منذ عهد الخليل إبراهيم -عليه السلام- والنداء يتردد في جنبات الوجود: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]. وما تلبية الحجيج اليوم بـ”لبيك” إلا رجع صدى لتلك التلبية القديمة التي استقرت في سويداء القلوب قبل أن تُخلق الأبدان. إنها عملية “تذكر” صوفية، يعود بها الإنسان إلى فطرته الأولى، ينزع عن روحه غبار الغفلة، ويهرع إلى الحِمى كهروب الطير إلى وكناته بعد طول اغتراب. 

فالحج إذن ليس رحلة سياحية، بل هو “معراج جماعي” للأرواح، ووقوف على عتبات الفناء عن النفس للبقاء بالرب. هو الموسم الذي تذوب فيه “الأنا” الفردية المتورمة، لتضمحل في “نحن” العبودية الشاملة؛ فلا صوت يعلو فوق عجيج التلبية، ولا سيادة إلا لرب البرية.

ميقات الروح: معركة “الأنا”

وإذا دنا السالك من مواقيت الإحرام، فقد دنا من مذبح تلك “الأنا” المستعلية؛ فالميقات في شرعة الروح ليس مجرد حد جغرافي، بل هو “برزخ” بين عالمين: عالم العادات والشهوات، وعالم المناجاة والانخلاع من كل ذي حظ. هنا يخلع الحاج ثيابه المخيطة، وما تلك الثياب في الحقيقة إلا رموز لتعلقاته الدنيوية وجاهه الزائف الذي كان يحجب عنه رؤية حقيقته المجردة. إن نزع الملابس عند الميقات هو “هدم” لبنيان الكبر، وإعلان صريح بأن العبد قد رجع إلى “صفره” الأول؛ يوم أُخرج من بطن أمه لا يملك من حطام الدنيا فتيلًا: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَكُمْ﴾ [الأنعام: 94]. وفي هذا التجريد فلسفة صوفية باذخة؛ إذ لا يُقبل على الله إلا من “فني” عن كينونته الأرضية، وخرج من سجن صورته ليدخل في سعة معناه. هناك تخرج التلبية صرخة مدوية من أعماق الوجدان: “لبيك اللهم لبيك”؛ تلبية العبد الذي وجد ضالته بعد تيه، وآب إلى كنف ربه بعد اغتراب، في مشهد يذكر بيوم الحشر الأصغر، حيث تُبلى السرائر وتسقط المعايير.

فإذا ما شارف الحاج حرم الأمان، وبدت له طلائع “البيت العتيق”، ثارت في نفسه لواعج الشوق، واهتزت أركان قلبه هيبة وجلالًا.

إن الكعبة المشرفة في الحس الإبراهيمي هي “محور الوجود” و”نقطة الارتكاز” للأمة؛ هي الحجر الذي جعله الله مغناطيسًا للأرواح، تجتذب إليه القلوب من كل فج عميق: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [المائدة: 97]. وليس الطواف حولها مجرد دورات بدنية، بل هو محاكاة لنظام الأفلاك في ملكوت الله؛ فالإنسان في طوافه يسبح في فلك العبودية كما تسبح الكواكب حول شموسها. إنه “الدوران حول المركز”، والمركز هو “الحق سبحانه”: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115].

في كل شوط يرمي الحاج وراء ظهره همًّا من هموم الدنيا، وفي كل استلام للحجر الأسود يجدد ميثاق الوفاء القديم. إن الصوفي في طوافه لا يرى الأحجار، بل يرى “رب الأستار”؛ يطوف بقلبه قبل بدنه، ويستشعر أن الكعبة هي “محراب التجلي” الأكبر. فإذا فرغ من طوافه، وسعى بين الصفا والمروة، فإنه يمثل “حيرة الروح” في طلب مائها الروحي؛ فالسعي هو حركة الاضطرار، والاضطرار بوابة الافتقار، ومن صدق في “هرولته” بين مروة الرجاء وصفاء اليقين، فجّر الله له “زمزم” المعارف في قلبه، فارتوى ريًّا لا ظمأ بعده. هنا يتجلى سر الصوفية الحقة: الفقر المطلق إلى الغني المطلق، والبحث في بيداء النفس حتى يفيض الفيض الرباني.

عرفات: يوم المشهد العظيم

أما عرفة، فهي يوم “المعرفة” بامتياز، والقلب النابض لجسد الحج، والمشهد الذي يجسد يوم العرض الأكبر في أبهى تجلياته الروحية. هناك، في ذلك الصعيد الطاهر، تتلاشى الوسائط، ويقف العبد عاريًا من ادعاءاته بين يدي الملك الجليل. هو الركن الذي لا يقوم الحج إلا به، لأن العبد لا يكون “حاجًّا” حقيقة إلا إذا عرف ربه بالانكسار، وعرف نفسه بالافتقار، كما قال رسول الله ﷺ: “الحج عرفة”.

في عشية هذا اليوم تتنزل الرحمات كالغيث الهتان، ويباهي الله بعباده الملائكة في مجلس العلياء، وتُكتب صكوك العتق من النيران بمداد الدموع الساكبة، ويندحر الشيطان ذليلًا صاغرًا. هنا يرتقي الصوفي إلى كشف الحقيقة، فيشهد في نفسه أن الحق لا يُدرك إلا بالفناء الكامل، وأن رحمته وسعت كل شيء حتى القلوب المثقلة بالخطايا.

مزدلفة ومنى: معركة النحر والرجم

ثم تأتي مزدلفة لتسكب السكينة في النفوس المجهدة، ليلة يبيت فيها الحاج تحت سماء الله في صمت لا يقطعه إلا همس التلبية، كأنها استراحة المحارب قبل المنازلة الأخيرة مع “شيطان النفس”. فإذا جاء يوم النحر، كان رمي الجمرات “رجمًا” للشهوات ووساوس الشيطان، ونحر الهدي شكرًا على التمام، وتطهيرًا لما بقي من علائق الدنيا، مجسدًا روح التكافل الإسلامي التي هي جوهر الرحمة العامة.

الوداع: ميلاد جديد

تنتهي هذه الرحلة الملكوتية بطواف الوداع، حيث يلتفت الحاج بقلبه نحو البيت، يودع قطعة من روحه بدمعة الفراق وأمل القبول، لكنه وداع يفضي إلى ميلاد جديد؛ إذ يعود كيوم ولدته أمه، نقيًّا من الأوضار، طاهرًا من الأوزار، حاملًا في صدره شواهد المعرفة والقرب.

الخاتمة: مدرسة إعادة التكوين الروحي

إن الحج في منتهاه هو “مدرسة إعادة التكوين الروحي”؛ ذاك الموسم الذي يثبت لنا أن الإنسان كائن سماوي قادر على التحرر من “طينه” ليحلق في فضاءات الطاعة، رحلة تبتدئ بـ”لبيك” تنزيهًا، وتنتهي بـ”الحمد لله” تعظيمًا، وتبقى في القلب شهابات نور تضيء درب العبد إلى يوم الدين.

تم نسخ الرابط