عاجل

تخيّل مشهدًا يوميا يتكرر في كثير من الأزقة والشوارع: مخلوق ضعيف يمدّ بصره طلبًا للطعام أو الأمان، فيراه بعض الناس بعين الرحمة، ويراه آخرون بعين الخوف أو الضرر. وبين هذا وذاك تتباين ردود الأفعال، وتتشابك المشاعر مع المصالح، فيظهر السؤال الجوهري: كيف يضبط الإسلام هذا التداخل بين الرحمة والحفاظ على أمن الإنسان؟
ليس الإسلام دين عاطفة مجردة، ولا هو نظام قاسٍ يُهمل الضعفاء، بل هو ميزان دقيق يزن الأمور بميزان العدل والرحمة معًا، حيث تُحفظ حقوق الإنسان، وتُراعى مصلحة الحيوان، دون إفراط أو تفريط كذلك كان سيدنا رسول الله ﷺ الذي كان أرحم الناس بالخلق كلهم، إنسهم وحيوانهم. 
فبينما ينبهر بعض الناس بتلك المظاهر النبيلة في المجتمعات المتحضرة المتقدمة الحديثة خاصة الاهتمام والرفق بالحيوانات، والإحسان إلى المخلوقات الضعيفة، نجد ان الاسلام سبق تلك المجتمعات باكثر من 1400 سنة٬ فنجد الشريعة الإسلامية قد جعلت الرحمة بالحيوان والرفق به قيمةً كبرى. فقد قال رسول الله ﷺ في الحديث: «في كل كبدٍ رطبةٍ أجر»، كما ورد في صحيح البخاري، 
وقال تعالى في محكم التنزيل ”وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم امثالكم”
لذلك فرقت بالحيوان أصل عظيم يدل على سعة رحمة الإسلام وشمولها لكل حيّ.
وفي المقابل، فإن الإسلام لم يجعل الرحمة منفصلة عن النظام العام، بل ربطها بمقاصد الشريعة التي منها حفظ المال والنفس وضمان عدم تعرضهم للضرر سواء بالجرح او بالعدوى او بالضوضاء او بغير ذلك لذلك كان الاسلام دائما يتبنى موقف الوسط في كل شيء دون افراط او تفريط كما قال تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا﴾، وهي قاعدة تؤسس لمنهج متوازن في التعامل مع جميع القضايا، ومنها التعامل مع الحيوانات خاصه تلك التي توجد بين التجمعات البشرية. 

ولذلك فإن أي ممارسة تؤدي إلى الإضرار بالناس أو إزعاجهم أو تهديد ممتلكاتهم تكون لا تتفق مع مقاصد الإسلام، حتى وإن كان الدافع إليها هو العطف على الحيوان الذي هو غايه نبيله بالفعل لكن بشرط ان تحدث هذه الغايه دون الاضرار بصالح الانسان. حيث شدد الاسلام على ان ا الانسان صاحب المصلحه الاولى دون اضرار بمصالح باقي المخلوقات قدر المستطاع فلقد قال تعالى: ﴿ولقد كرّمنا بني آدم﴾، هذا التكريم يقتضي حفظ حقوقه وصون حياته وأمنه.
فمعلوم ان هناك من الحيوانات الضاله نتيجه لطبيعة خلقتها وشراستها احيانا دون ذنب منها ما قد يؤدي الى الاضرار بالاطفال والمارة وفي احيان كثيرة الاضرار بالسيارات ونضافة الشوارع والمنازل والضوضاء الناتجة عن النباح والعراق فيما بينهم كحيوانات لا تعقل ما تفعل .. وغير ذلك .
ومعلوم ان كل ما سبق ذكره هي مصالح حفظها الإسلام للإنسان وضمن له حمايتها .. ولكن ليس معنى ذلك اباحه ما يقوم به بعض الناس من محاوله قتل هذه الحيوانات دون مراعاة لحرمة او دين وهذا ما لا يقبله الاسلام ايضا.
لذلك فقد شدّد الإسلام على الرفق بالحيوان ومنع الإيذاء غير المبرر، حتى ورد الوعيد في حق من أساء إلى الحيوانات، كما في حديث المرأة التي حبست هرة حتى ماتت، وهو ثابت في صحيح البخاري فقال عنها رسول الله في الحديث أنها في النار.!! مما يدل على عظمة المسؤولية في التعامل مع هذه المخلوقات الضعيفه التي تحتاج الى العطف والحنان كما تحتاج الى الطعام والأمان.
ومن هنا يتضح أن المنهج الإسلامي لا يقوم على تغليب طرف على حساب آخر، بل على تحقيق التوازن بين الرحمة والحماية، بين حق الحيوان وحق الإنسان. فالحيوانات الضالة تُراعى وتُرحم، لكن مع تنظيم يضمن عدم الإضرار بالناس أو التعدي على مصالحهم.
وفي هذا السياق، فإن  مصر تقوم حاليا بالتخطيط لانشاء أماكن مخصصة لرعاية الحيوانات الضالة وترتيب وضع نظم لإدارتها مما يُعد خطوة إيجابية راقية نحو تحقيق هذا التوازن، بما يحقق الرحمة دون الإخلال بالأمن العام.
وفي الختام، فإني أوصي أب وأم بأن يعلم أولاده أهمية العطف على الحيوان والتعامل معه بكل رقي واهتمام .. كما أوصي أخوتي المشايخ الأفاضل أن يظهروا للناس في خطبهم ودروسهم قيمة الرفق بالحيوان وكيف ان الاسلام وازن ما بين حق الحيوان في الحياة وحق الانسان في استمتاعه بحياته دون اضرار لماله او إمنه على أولاده .. فإن جوهر المنهج الإسلامي يقوم على العدل والرحمة معًا، فلا قسوة تُهدر حق الحيوان، ولا عاطفة تُهمل حق الإنسان، وإنما وسطيةٌ راشدة تُحقق مقاصد الشريعة في عمارة الأرض وصلاح الخلق.

تم نسخ الرابط