عاجل

القس عيد صلاح: مشروع قانون الأسرة للمسيحيين يثير إشكاليات قانونية حول المرجعية

القس عيد صلاح
القس عيد صلاح

قال القس عيد صلاح، راعي الكنيسة الإنجيلية بعين شمس، ورئيس المجلس القضائي والدستوري بالكنيسة الإنجيلية المشيخية بمصر، إن مواد الإصدار في مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين تكشف عن إشكالية قانونية وتفسيرية بالغة الأهمية، خاصة فيما يتعلق بالإحالة إلى القواعد الدينية المقررة لكل كنيسة في المسائل التي لم يرد بها نص صريح داخل القانون.
واضاف “ صلاح”  أن المشروع حدد بشكل واضح نطاق تطبيقه على الكنائس الست المشمولة بالقانون، لكنه عند الحديث عن المرجعية البديلة في غياب النص ترك الباب مفتوحًا أمام مفهوم غير منضبط، وهو “القواعد الدينية”، دون تحديد المقصود بها بشكل دقيق.


غموض في تعريف القواعد الدينية


وأشار إلى أن هذا الغموض يثير تساؤلات جوهرية حول مصدر القاعدة القانونية وحدودها، متسائلًا: هل المقصود بالقواعد الدينية هو اللوائح الكنسية التاريخية التي كانت مطبقة قبل صدور القانون؟ أم الآراء الفقهية واللاهوتية؟ أم قرارات المجامع المقدسة والمجالس الملية؟ أم الممارسات الكنسية المستقرة؟
وأضاف أن هذه القواعد ستكون أيضًا مقيدة بمفهوم “النظام العام”، وهو مفهوم قانوني مرن ومتغير يخضع في النهاية لتقدير القضاء، ما قد يؤدي إلى تفاوت في التفسير والتطبيق من حالة إلى أخرى.
وتساءل صلاح عن سبب عدم الإحالة إلى القانون العام للدولة فيما لم يرد به نص، بدلًا من ترك المسألة لمرجعية غير محددة قد تفتح المجال لاجتهادات متباينة مستقبلًا.


لائحة 1938 وتعديلات 2008.. إشكالية المرجعية


ولفت رئيس المجلس القضائي والدستوري إلى أن ديباجة المشروع أشارت إلى لائحة 1938 باعتبارها من المراجع الأساسية، بينما لم تُشر صراحة إلى تعديلات عام 2008 التي نُشرت في الجريدة الرسمية، رغم تأثيرها الواضح على الواقع الكنسي والقانوني.
واستطرد أن هذا قد يُفهم منه أن المشرّع لم يعتبر تعديلات 2008 جزءًا من البناء التشريعي الملزم، لكونها لم تصدر آنذاك عن السلطة التشريعية للدولة، بل من داخل المؤسسة الكنسية.
لكنه أشار في المقابل إلى أن بعض المضامين المرتبطة عمليًا بتلك التعديلات، خاصة ما يتعلق بأسباب الطلاق ومفهوم “الزنا الحكمي”، حضرت بوضوح داخل متن القانون الجديد، وهو ما يكشف تأثر المشروع بها فعليًا حتى دون الإحالة الصريحة إليها.
وأكد علي  أن هذا الوضع يجعل المشروع قائمًا في منطقة وسط بين التقنين المدني والقواعد الكنسية، دون حسم واضح للمرجعية النهائية عند غياب النص، وهو ما قد يفتح الباب مستقبلًا لاجتهادات قضائية مختلفة.


الزواج المدني.. نص سلبي لحسم الجدل


وتناول القس عيد صلاح الاقتراح الخاص بإضافة مادة تنص بصياغة سلبية على أن الكنائس المدرجة في قانون الأسرة للمصريين المسيحيين “لا يطبق عليها نظام الزواج المدني وغير ملزمة به”، معتبرًا أن هذا الاقتراح يمثل محاولة لحسم الجدل الدائر حول العلاقة بين المشروع وفكرة الزواج المدني.
وأوضح أن غياب نص واضح في هذه المسألة قد يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة حول مدى إمكانية اللجوء إلى الزواج المدني أو مدى إلزام الكنائس بالاعتراف به مستقبلًا.
وأضاف أن وجود نص صريح، حتى لو جاء بصيغة سلبية، قد يحقق قدرًا من الوضوح التشريعي، لكنه في الوقت نفسه يثير نقاشًا أوسع حول حدود سلطة الدولة في تنظيم الزواج باعتباره رابطة ذات آثار قانونية ومدنية، وحدود حق المؤسسات الدينية في رفض بعض الأشكال القانونية للزواج.
وأشار إلى أن النص على عدم إلزام الكنائس بالزواج المدني لا يحسم بالضرورة مسألة حق الأفراد أنفسهم في اللجوء إلى هذا النوع من الزواج إذا أقرته الدولة مستقبلًا ضمن إطار قانوني عام.


كما شدد صلاح على أهمية اطلاع الباحثين القانونيين على محاضر جلسات اللجان التي شاركت في صياغة مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين، باعتبارها جزءًا مهمًا من الأعمال التحضيرية التي تساعد على فهم فلسفة القانون والنية التشريعية وراء النصوص.
وأوضح أن هذه المحاضر قد تكون وثائق داخلية غير منشورة، خاصة أن اللجنة التي أعدت المشروع لم تكن لجنة برلمانية خالصة، بل ضمت ممثلين عن الكنائس وجهات تنفيذية، ما يجعلها أقرب إلى المداولات الداخلية غير الملزمة بالنشر التلقائي.
لكنه أكد أن إتاحة هذه الأعمال التحضيرية تمثل قيمة قانونية وبحثية كبيرة، لأنها تكشف الخلفيات الفكرية واللاهوتية والقانونية التي حكمت المشروع، وتوضح كيفية إدارة الخلافات بين الكنائس، وأسباب ترجيح بعض الاتجاهات على غيرها.
وأضاف أن الكشف عن آليات النقاش والصياغة يسهم في تقييم مدى تحقق الحوار المجتمعي الحقيقي حول القانون، ويمنح الباحثين القدرة على تحليل التطور التشريعي بصورة أكثر دقة وموضوعية، بدلًا من الاكتفاء بقراءة النص النهائي بمعزل عن سياقه الكامل.

تم نسخ الرابط