عاجل

لا تواجه المجتمعات خطرًا أشد من انهيار الثقة بين الناس ووسائل إعلامهم؛ فالإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو الجسر الذي يربط المواطن بالدولة، ويشكّل وعي المجتمع وقدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة. وحين يتمتع الإعلام بالمصداقية، يصبح عنصرًا أساسيًا في حماية الاستقرار وتعزيز الوعي العام ومقاومة حملات التضليل والاستهداف.

أما عندما تفقد وسائل الإعلام ثقة جمهورها، فإن الفجوة تتسع بين السلطة والناس، وتصبح المعلومات الرسمية موضع شك، مهما بلغت دقتها. فالمتلقي لا يحكم على الخبر وحده، بل يحكم أولًا على الجهة التي تنقله. وإذا سقطت مصداقية الوسيلة الإعلامية، سقطت معها قدرة الرسالة على الإقناع والتأثير. بل يمكن أن يكون التأثير عكسياً تماماً.

ومنذ سنوات، تعاني وسائل الإعلام التقليدية أزمة ثقة متصاعدة في معظم أنحاء العالم، وإن تفاوتت حدتها من مجتمع إلى آخر. وفي دول العالم الثالث تحديدًا، بدا التراجع أكثر سرعة ووضوحًا، بالتزامن مع اندفاع الجمهور نحو وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مصدرًا بديلًا للمعلومات. غير أن تفسير الأزمة بالتطور التكنولوجي وحده يبدو تفسيرًا ناقصًا؛ إذ ما تزال الصحف الورقية في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان تحافظ على حضورها وتأثيرها، بينما فقدت صحف كثيرة في دول أخرى مكانتها، وأصبحت تكافح من أجل البقاء وحسب، بغض النظر عن الدور والتأثير. 
لذا حذر «جيف بيزوس»، مؤسس «أمازون» ومالك صحيفة "واشنطن بوست"، من التراجع المستمر في ثقة الجمهور بوسائل الإعلام، معتبرًا أن الخطر لا يهدد المؤسسات الصحفية وحدها، بل يمتد إلى المجتمع بأكمله. فعندما يفقد الناس ثقتهم بالمصادر المهنية، يتجهون إلى منصات غير موثوقة ومدونات تفتقر إلى المعايير الصحفية، الأمر الذي يفتح المجال أمام الأخبار المضللة ويعمّق الانقسام المجتمعي.

وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن المؤسسات الرسمية نفسها تصبح عاجزة عن إقناع الناس، حتى عندما تكون بياناتها صحيحة. فضعف الإعلام المهني يخلق بيئة خصبة للشك والارتباك، ويمنح الشائعات قدرة أكبر على الانتشار والتأثير.

إن المصداقية ليست شعارًا إعلاميًا، بل هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة صحفية. فالمسؤول يحتاج إلى منصة موثوقة تصل عبرها رسالته إلى الناس، والمواطن يحتاج إلى وسيلة يطمئن إلى صدقها حتى يقتنع بما تقدمه. ومن دون هذه العلاقة المتبادلة من الثقة، يفقد الإعلام دوره الحيوي في بناء الوعي العام.

ورغم أن استطلاعات الرأي كانت تضع وسائل الإعلام في مرتبة متقدمة من حيث الثقة العامة، فإن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا ملحوظًا في صورة الصحافة والصحفيين. وتشير استطلاعات حديثة إلى انخفاض مستوى الثقة بالإعلام إلى درجات غير مسبوقة، وهو ما دفع كثيرين إلى التحذير من مستقبل تصبح فيه المعلومات الدقيقة الحقيقية أقل تأثيرًا من المعلومات السريعة أو المثيرة أو الزائفة.

إن استعادة ثقة الجمهور ليست مهمة سهلة، ولا تتحقق عبر الحملات الدعائية أو الظهور الإعلامي المكثف، أو الإلحاح والتكرار، بل تبدأ بالالتزام الحقيقي بالمهنية والموضوعية واحترام عقل المتلقي. فالإعلام القوي لا يُبنى بالصوت المرتفع، بل بالمصداقية التي تجعل الناس يعودون إليه كلما اختلطت الحقائق بالشائعات.

ولهذا، فإن خسارة الإعلام لمصداقيته لا تمثل أزمة تخص الصحفيين وحدهم، بل تعتبر تهديدًا مباشرًا للمجتمع والدولة معًا؛ لأن المجتمعات التي تفقد ثقتها في إعلامها تصبح أكثر عرضة للانقسام والتضليل وفقدان القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.

المصداقية تخلق ثقة لدى الناس في الوسيلة الإعلامية، وإذا حدث ذلك عمّت المنافع على الجميع؛ فالمسؤول الذي يريد أن تصل كلمته ويُسمع صوته يحتاج إلى إعلام ذي مصداقية، ومن ثم ذي ثقة، والمواطن يريد أن يثق حتى يُصدّق.

وضع بيزوس، قبل عامين، وهو ليس صحفيًا، يده على أزمة كبيرة تطال أي مجتمع تفقد فيه وسائل إعلامه مصداقيتها، وتأتي في مقدمة المتضررين المؤسسات الرسمية التي لا تستطيع إضفاء الثقة على بياناتها، حتى وإن كانت صادقة تمامًا، وسط ما تخلقه الوسائل الجديدة غير الشرعية وغير المهنية من بلبلة وشكوك.

مالك «واشنطن بوست»، رغم كونه رجل أعمال يهمه الربح، التفت إلى الخسارة الأكثر فداحة، وهي «انحدار» الصحفيين ووسائل الإعلام وخسارتهم للسمعة والثقة، وفقًا لاستطلاعات الرأي. وكانت هذه الاستطلاعات تمنح وسائل الإعلام أفضلية ومصداقية أعلى من الكونغرس، غير أن استطلاع «غالوب» لعام 2024 هبط بالصحافة والصحفيين إلى مرتبة متدنية، مما جعل بيزوس يرى أن مهنة الصحافة باتت الأقل ثقة على الإطلاق، ونبّه الصحفيين إلى ضرورة العمل بجدية لاستعادة المصداقية، وأن المشكلة لا تخص صحيفته وحدها، بل كل الصحف ووسائل الإعلام .
المشكلة كبيرة، وتحتاج إلى جهد مضاعف لبناء المصداقية والثقة، وتلك لا تصنعها كثرة التكريمات، ولا تعدد الجوائز والصور في المهرجانات والمؤتمرات. إن خسارة سلاح الإعلام تمثل أكبر ضرر على المجتمع، شعبًا وحكومة. واستعادة الثقة عملية شاقة وصعبة، ولا يقدر عليها إلا المهنيون والمبدعون والمثقفون.

تم نسخ الرابط