انكسار "الرمح" الثقافي: لماذا تعثرت أجندة ميلوني اليمينية في إيطاليا؟
عندما وصلت جورجيا ميلوني إلى سدة الحكم في عام 2022، لم يكن طموح حزب "إخوة إيطاليا" مقتصرًا على إدارة الاقتصاد أو ملف الهجرة، بل كان الهدف الأسمى هو إحداث "انقلاب ثقافي" ينهي ما وصفوه بـ "الهيمنة اليسارية" التاريخية، لكن بعد قرابة أربع سنوات، يبدو أن هذه المعركة قد تحولت إلى سلسلة من التراجعات والإقالات والجدل الذي لم ينتهِ، لدرجة دفع بمنظري اليمين أنفسهم إلى إعلان فشل التجربة.
استعمار المؤسسات وتصادم الكفاءات
بدأت الحرب الثقافية لليمين المتطرف بمحاولة "استعمار" المؤسسات الثقافية الكبرى عبر تعيين شخصيات موالية أيديولوجيًا. إلا أن هذا النهج اصطدم بواقع الكفاءة المهنية؛ ففي البندقية، أطاحت أوركسترا مسرح "لا فينيس" بالمديرة الجديدة بياتريس فينيزي، الصديقة المقربة لميلوني، بتهمة عدم التأهل الفني.
ولم يكن الوضع في وزارة الثقافة أفضل حالًا، حيث اضطر الوزير الحالي أليساندرو جولي مؤخرًا إلى حل القيادة العليا للوزارة وإقالة رؤساء أمانته الفنية، مما كشف عن تصدعات عميقة في بنية الإدارة الثقافية.
السينما في عين العاصفة: قضية "ريجيني" والتمويل
تمثلت إحدى أبرز جبهات الصراع في قطاع السينما، حيث اتهم المثقفون الحكومة بممارسة "تعالٍ شعبوي" عبر معاقبة المخرجين المستقلين.
انخفض تمويل السينما من 750 مليون يورو في 2022 إلى توقعات بـ 500 مليون يورو بحلول 2027.
فقر الخيال: من "سيد الخواتم" إلى "دانتي اليميني"
تعاني حكومة ميلوني مما يصفه النقاد بـ "عقدة نقص ثقافية"، تجلت في البحث المحموم عن رموز تاريخية لتبنيها.
ففي حين حاول الوزير السابق سانجوليانو تصنيف الشاعر "دانتي" كينتمي لليمين المتطرف، ظل المعرض الضخم لرواية "سيد الخواتم" هو الإنجاز الثقافي الأبرز للوزارة، وهو ما اعتبره الفيلسوف المحافظ فرانكو كارديني "سطحية مثيرة للسخرية" تعجز عن إنتاج فكر حقيقي أو مجلة ثقافية وازنة.
الأوبرا كأداة للوطنية القسرية
لم تسلم الأوبرا الإيطالية من محاولات التنميط، حيث تسعى الحكومة لفرض برامج كلاسيكية (فيردي وبوتشيني) لخدمة "السردية الوطنية" والسياحة، مع زيادة نفوذ الدولة في مجالس إدارات المسارح.
ويرى الخبير ألبرتو ماتيولي أن هذا التدخل يتجاوز حتى ما كان يحدث في الحقبة الفاشية، مؤكدًا أن المشكلة تكمن في تقديم "الولاء للعشيرة" على حساب الكفاءة والمكانة الثقافية.