عاجل


لم يكن حضور الرئيس عبد الفتاح السيسي للقمة الأفريقية الفرنسية في نيروبي مجرد مشاركة بروتوكولية في حدث دولي، بل جاء انعكاسًا واضحًا لرؤية مصرية متكاملة تجاه القارة الأفريقية، رؤية تقوم على أن التنمية هي الطريق الحقيقي لتحقيق الاستقرار، وأن الأمن لا يمكن فصله عن الاقتصاد والتعليم وبناء الإنسان. وقبل أيام قليلة من تلك القمة، افتتح الرئيس جامعة جامعة سنجور بمدينة برج العرب الجديدة، في خطوة تحمل دلالات عميقة حول طبيعة الدور الذي تسعى القاهرة لترسيخه داخل أفريقيا، باعتبارها شريكًا في بناء الكوادر والعقول وليس مجرد طرف سياسي أو اقتصادي.
هذا الترابط بين المشاركة في القمم الدولية الخاصة بأفريقيا، وبين الاستثمار في المؤسسات التعليمية والتنموية، يكشف بوضوح أن التحرك المصري تجاه القارة منذ عام 2014 لم يكن تحركًا موسميًا أو مرتبطًا بملفات سياسية ضيقة، وإنما مشروعًا استراتيجيًا لإعادة بناء الحضور المصري في أفريقيا على أسس جديدة، تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة واحترام خصوصية الدول الأفريقية.
منذ تولي الرئيس السيسي الحكم، أعادت مصر ترتيب أولوياتها الأفريقية بصورة لافتة، بعد سنوات طويلة من التراجع النسبي في التفاعل مع قضايا القارة. وقد أدركت الدولة المصرية أن الأمن القومي المصري يرتبط بصورة مباشرة باستقرار أفريقيا، خاصة في مناطق القرن الأفريقي والساحل والصحراء وحوض النيل، وأن أي فراغ سياسي أو أمني في تلك المناطق يمثل تهديدًا مباشرًا لمصالح القاهرة.
وجاءت رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي عام 2019 لتمنح القاهرة فرصة حقيقية لتحويل رؤيتها إلى خطوات عملية. ففي تلك الفترة، دفعت مصر بقوة نحو تعزيز مفهوم “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية”، وهو المفهوم الذي سعت من خلاله إلى تقليل التدخلات الخارجية التي كثيرًا ما ساهمت في تعقيد أزمات القارة بدلًا من حلها. كما ركزت القاهرة على الربط بين التنمية والأمن، باعتبار أن الفقر والبطالة وغياب الدولة الوطنية تمثل البيئة المثالية لنمو الإرهاب والصراعات المسلحة.
وفي هذا الإطار، برز الدور المصري في دعم مبادرة “إسكات البنادق”، التي استهدفت تقليص النزاعات المسلحة والصراعات الإثنية داخل القارة. وقد دعمت القاهرة هذه المبادرة سياسيًا وأمنيًا، انطلاقًا من خبرتها الطويلة في مكافحة الإرهاب والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية. وكانت الرؤية المصرية واضحة؛ فلا يمكن تحقيق تنمية حقيقية في ظل الحروب الأهلية والانقسامات القبلية، كما لا يمكن بناء اقتصادات مستقرة بينما تستنزف الصراعات موارد الدول الأفريقية.
ولذلك، لم يقتصر الدور المصري على التصريحات السياسية، بل امتد إلى التدريب والتأهيل وبناء القدرات الأمنية. فقد عملت مصر خلال السنوات الماضية على تدريب عناصر من قوات دول الساحل والصحراء، وقدمت برامج متخصصة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين الحدود، مستفيدة من التجربة المصرية الواسعة في مواجهة التنظيمات المتطرفة. وأدركت القاهرة مبكرًا أن خطر الإرهاب في أفريقيا لم يعد خطرًا محليًا يهدد دولة بعينها، بل أصبح تهديدًا عابرًا للحدود يمتد من ليبيا وحتى منطقة الساحل والقرن الأفريقي.
كما أولت مصر اهتمامًا كبيرًا بمنطقة القرن الأفريقي، إدراكًا لحساسيتها الاستراتيجية وتأثيرها المباشر على أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية. وسعت القاهرة إلى بناء علاقات متوازنة مع دول المنطقة، قائمة على التعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي، مع دعم جهود الاستقرار ومنع الانزلاق إلى الفوضى. وينطبق الأمر نفسه على دول حوض النيل، حيث تبنت مصر سياسة تعتمد على تعزيز التعاون التنموي وتقديم الخبرات الفنية في مجالات الري والزراعة والطاقة والبنية التحتية، انطلاقًا من قناعة بأن التنمية المشتركة هي الطريق الأمثل لحماية المصالح المتبادلة.
وفي السنوات الأخيرة، توسع الحضور المصري داخل أفريقيا ليشمل ملف التغيرات المناخية، وهو الملف الذي يمثل تهديدًا وجوديًا للعديد من دول القارة. فالجفاف والتصحر ونقص الموارد المائية باتت عوامل إضافية تؤدي إلى النزوح والصراعات وعدم الاستقرار. ومن هنا، دعمت مصر فكرة إنشاء آليات وصناديق تمويل تساعد الدول الأفريقية على مواجهة التداعيات الاقتصادية والبيئية للتغيرات المناخية، خاصة أن القارة تُعد من أقل مناطق العالم مساهمة في الانبعاثات، لكنها من أكثرها تضررًا من آثار المناخ.
وقد بدا هذا التوجه واضحًا خلال استضافة مصر لمؤتمر مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP27، حيث حرصت القاهرة على تحويل صوت أفريقيا إلى قضية عالمية، مطالبة بتمويل عادل للدول النامية، ودعم مشروعات التكيف مع التغيرات المناخية، وتعويض الدول المتضررة عن الخسائر التي تتعرض لها.
وفي الحقيقة، فإن ما يميز التحرك المصري في أفريقيا خلال العقد الأخير هو أنه لم يعتمد فقط على الأدوات السياسية التقليدية، بل انفتح على التعليم والثقافة والتدريب وبناء المؤسسات. ومن هنا يمكن فهم أهمية افتتاح جامعة سنجور، باعتبارها نموذجًا للقوة الناعمة المصرية داخل القارة. فالجامعة، التي تضم طلابًا وباحثين من عشرات الدول الأفريقية، تعكس إدراك القاهرة أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان الأفريقي وتأهيل كوادر قادرة على قيادة التنمية في بلدانها.
لقد انتقلت مصر في تعاملها مع أفريقيا من مرحلة استعادة الحضور إلى مرحلة صناعة التأثير، عبر رؤية تربط الأمن بالتنمية، والسياسة بالاقتصاد، والتعليم بالاستقرار. ولذلك، فإن التحركات المصرية الحالية داخل القارة لا تبدو مجرد استجابة لظروف إقليمية طارئة، بل تعبر عن قناعة راسخة بأن مستقبل مصر وأفريقيا بات مترابطًا بصورة غير مسبوقة، وأن نهضة القارة لن تتحقق إلا من خلال شراكات حقيقية تقوم على الاحترام والتنمية والمصالح المشتركة.

تم نسخ الرابط