عاجل

ديفيد ويصا: أحيانًا يكون الطلاق حماية للأسرة وليس هدمًا لها

 المهندس ديفيد ويصا
المهندس ديفيد ويصا

أكد الخادم الإنجيلي المهندس ديفيد ويصا، الحاصل على ماجستير الدراسات الكتابية، أن قضية الطلاق لا يجب أن تُناقش فقط من زاوية العلاقة بين الزوجين، بل يجب أن يُوضع الأطفال في قلب المعادلة، لأنهم غالبًا الطرف الأكثر تأثرًا والأكثر تضررًا من الزيجات غير الصحية أو العلاقات المسيئة.
وأضاف “ويصا” خلال تصريحات إعلامية له ، أن فهم نصوص الطلاق في العهد الجديد، خاصة حديث السيد المسيح في إنجيل متى 19 ومرقس 10، يحتاج إلى ربطها بالتشريعات القديمة الواردة في العهد القديم، مؤكدًا أن المسيح لم يتحدث عن «الزنا» فقط كسبب للطلاق، بل استخدم تعبيرًا أوسع هو «الفحشاء»، وهو ما يشمل كل سلوك أخلاقي جنسي معيب، سواء وصل إلى الزنا الكامل أو لم يصل.


وأشار إلى أن المجتمع اليهودي وقتها كان يعرف جيدًا أن الزنا الكامل عقوبته الموت، وبالتالي لم يكن من المنطقي أن يكون الحديث فقط عن الزنا، لأن الشخص في هذه الحالة لا يكون موجودًا أصلًا ليستمر الزواج أو يحدث طلاق.
وأضاف أن كثيرين يخلطون بين المصطلحين، بينما النصوص والترجمات المختلفة تؤكد أن المقصود أوسع من ذلك، وهو ما يجعل فهم السياق التاريخي والثقافي أمرًا أساسيًا في تفسير النصوص وعدم استخدامها بشكل خاطئ.

الأطفال حاضرون حتى إن لم يُذكروا مباشرة

وأشار ويصا إلى أن القارئ قد يلاحظ أن النصوص الكتابية التي تتناول الطلاق لا تذكر الأطفال بشكل مباشر، ما قد يدفع البعض للاعتقاد بأنهم خارج المعادلة، لكن القراءة الدقيقة تكشف العكس.
وأوضح أن إنجيلي متى 19 ومرقس 10، بعد حديث المسيح مباشرة عن الطلاق والزواج، يرويان مشهد إحضار الأطفال إلى المسيح ليباركهم، بينما كان التلاميذ يحاولون منعهم، إلا أن المسيح غضب وقال: «دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم لأن لمثل هؤلاء ملكوت السماوات».

ليس كل بقاء في الزواج فضيلة

وشدد ويصا على أن الحديث عن الأطفال لا يعني أبدًا مطالبة المرأة أو الرجل بالبقاء في زواج مسيء فقط من أجل الأبناء، موضحًا أن البعض يردد دائمًا عبارة: «استحملي من أجل الأولاد»، بينما قد يكون هذا القرار نفسه هو الأكثر ضررًا على الجميع.
وقال إن هناك زيجات يتحول فيها البيت إلى مساحة عنف مستمر، سواء من خلال الضرب أو الإهانة أو الإدمان أو التهديد أو الإيذاء النفسي، وهنا قد يبدو الصبر في البداية تضحية نبيلة من أجل الأبناء، لكن مع مرور الوقت تخسر الأم نفسها بالكامل، مضيفا إذا كانت الأم تدخل هذا الطريق باعتباره تضحية من أجل أولادها، لكنها مع الوقت تفقد صحتها النفسية وقدرتها على التربية والاستقرار، فهي في النهاية لن تكون الأم التي يحتاجها أولادها أصلًا”.
وأكد أن الحفاظ على الأطفال لا يعني التضحية الكاملة بالنفس، بل يتطلب موازنة حقيقية بين مصلحة الأبناء وسلامة الطرف المتضرر.


الطلاق أحيانًا أقل ضررًا من الاستمرار


وأوضح ويصا أن الزواج المسيء يضر الأطفال مثلما يضرهم الطلاق، وبالتالي فإن السؤال الصحيح ليس: هل الطلاق مؤذٍ؟ بل: أي القرارين أقل ضررًا على الأسرة؟
وأضاف أن بعض الحالات يكون فيها استمرار الزواج أكثر تدميرًا من الانفصال، خاصة إذا كان الأطفال يعيشون يوميًا داخل بيئة مليئة بالعنف والخوف والاضطراب.
وقال إن القرار لا يجب أن يُبنى على فكرة “الهروب من الطلاق” فقط، بل على تقييم واعٍ لما إذا كان الاستمرار نفسه أصبح خطرًا أكبر من الانفصال.
وأشار إلى أن كل حالة تختلف عن الأخرى، ولا يمكن وضع قاعدة عامة واحدة للجميع، لأن ما تستطيع امرأة احتماله قد لا تستطيع أخرى تحمله، والعكس صحيح.


قرار الطلاق يحتاج تخطيطًا لا انفعالًا


وشدد ويصا على أن من حق الشخص الذي يملك سببًا كتابيًا مشروعًا للطلاق ألا يتعامل مع القرار بانفعال أو سرعة، بل بتفكير عميق وتخطيط حقيقي.
وأوضح أن السؤال ليس فقط: هل أطلق أم لا؟ بل: متى أطلق؟ وكيف أطلق؟ وكيف أجهز أولادي نفسيًا وماديًا لهذه الخطوة؟
وأضاف أن المرأة التي لا تعمل مثلًا تحتاج إلى التفكير في مصدر دخل ثابت قبل اتخاذ القرار، وهنا يجب أن يكون للكنيسة دور حقيقي في المساندة، سواء بتوفير فرصة عمل أو دعم اجتماعي يساعدها على بدء حياة مستقرة.
كما أكد أهمية الاستعانة بمتخصصين نفسيين وتربويين لمساعدة الأطفال على فهم المرحلة الجديدة، خاصة إذا كانوا صغار السن، لأن طريقة الانتقال نفسها قد تحدد حجم الأثر النفسي عليهم.


قصص واقعية تكشف حجم المعاناة


وروى ويصا مثالًا لسيدة استمرت في زواج مؤذٍ أكثر من 25 عامًا رغم تعرضها للخيانة، ولم تتخذ قرار الطلاق إلا بعد أن تزوج أبناؤها، خوفًا من نظرة المجتمع والكنيسة وتأثير ذلك على مستقبلهم.
وأوضح أن كثيرين يتحملون سنوات طويلة فقط حتى لا يُقال عن الأبناء إنهم أبناء مطلقين، رغم أن الجميع داخل البيت يعرف حجم الألم القائم بالفعل.
وأضاف أن المجتمع أحيانًا يتعامل بتناقض واضح؛ فقد يعرف الجميع أن الأسرة تعيش في جحيم مستمر ويصمتون، لكن بمجرد حدوث الطلاق تبدأ الإدانة والرفض وكأن المشكلة بدأت لحظة الانفصال فقط.


الكنيسة والأسرة شريكان في القرار


وأكد ويصا أن الكنيسة لا يجب أن تكون مجرد جهة تصدر أحكامًا أو تطلب الصبر فقط، بل يجب أن تكون شريكًا حقيقيًا في مساعدة الأسرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
وأشار إلى أن الدعم الكنسي والأسري ضروري جدًا، سواء في المشورة أو الحماية أو الترتيب العملي للحياة بعد الطلاق، لأن القرار لا يمس فردًا واحدًا بل أسرة كاملة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الطلاق ليس قرارًا بسيطًا ولا يجب التعامل معه بخفة، لكنه أيضًا ليس دائمًا خطيئة أو فشلًا، بل قد يكون أحيانًا الوسيلة الوحيدة لحماية الإنسان والأطفال من استمرار الأذى، مشددًا على أن الحكمة الحقيقية تكمن في اختيار القرار الأقل ضررًا والأكثر قدرة على حفظ الكرامة والسلام النفسي للأسرة.

تم نسخ الرابط