عاجل

 

في السياسة، كثيرًا ما تُقرأ الزيارات الرسمية من زاوية الاتفاقات والمباحثات والبيانات المشتركة، لكن هناك زيارات تترك وراءها شيئًا أبعد من الدبلوماسية؛ مشهدًا إنسانيًا يصعب تجاهله. وربما كانت علاقة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمصر واحدة من تلك العلاقات التي تجاوزت حدود البروتوكول التقليدي.

لقد حظيت بشرف تغطية عدد من زيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى فرنسا، وكنت شاهدًا على حجم الحفاوة التي كان يخص بها ماكرون الرئيس السيسي، ليس فقط كرئيس دولة، بل كزعيم يحظى باحترام واضح داخل دوائر القرار الفرنسية. كان هناك دائمًا تقدير لطريقة رؤية الرئيس السيسي للأزمات، ولأسلوبه في إدارة الملفات الإقليمية المعقدة، وهو ما ظهر في أكثر من لقاء وموقف وتصريح.

لكن اللافت أن علاقة ماكرون بمصر بدت أعمق من حدود السياسة. فالرجل الذي يُعد من أكثر القيادات الأوروبية إدراكًا لحساسية أوضاع الشرق الأوسط، لم يتعامل مع القاهرة باعتبارها مجرد شريك سياسي، بل كدولة تحمل ثقلًا حضاريًا وإنسانيًا خاصًا.

هذا المعنى ظهر مبكرًا خلال زيارته السابقة إلى القاهرة، حين حرص على القيام بجولة ليلية في منطقة خان الخليلي التاريخية برفقة الرئيس السيسي. يومها، لم يكن المشهد مجرد زيارة سياحية عابرة، بل بدا وكأنه محاولة لاكتشاف روح المدينة المصرية القديمة؛ المقاهي الشعبية، الحارات الضيقة، والتفاعل المباشر مع الناس. وكانت لهذه الجولة دلالة خاصة، لأن خان الخليلي نفسه كان قد شهد قبل سنوات حوادث إرهابية استهدفت السياح والأجانب، قبل أن تستعيد القاهرة صورتها كمدينة تنبض بالحياة والأمان.

ثم جاءت زيارته إلى مدينة العريش، وهي محطة لم تكن سهلة سياسيًا أو أمنيًا، لكنها حملت دلالات إنسانية عميقة. فزيارة ماكرون إلى العريش وتفقده مستشفى العريش العام ومراكز استقبال المساعدات الإنسانية الموجهة إلى قطاع غزة، عكست إدراكًا فرنسيًا واضحًا لحجم الدور المصري في إدارة الأزمة الإنسانية المرتبطة بالحرب في غزة، كما حملت رسالة ثقة في قدرة الدولة المصرية على تأمين وإدارة واحدة من أكثر المناطق حساسية في الإقليم.

وفي الإسكندرية، بدا المشهد مختلفًا لكنه أكثر دلالة. جولة داخل قلعة قايتباي، وحديث عن التاريخ والحضارة والهوية المتوسطية، ثم مشاهد الرئيس الفرنسي وهو يمارس رياضة الجري صباحًا على كورنيش المدينة وبين شوارعها. وهنا أيضًا حملت الصورة دلالة غير مباشرة؛ فالإسكندرية التي عانت في فترات سابقة من تهديدات الجماعات المتطرفة وبعض العمليات الإرهابية، بدت مدينة مفتوحة وآمنة يتحرك فيها رئيس دولة أوروبية بحرية كاملة وسط الناس.

فالمدن لا تمنح زائرها حرية الحركة والطمأنينة إلا حين يشعر بالأمان الحقيقي. وربما لهذا بدت المقولة الفرنسية الأقرب لوصف المشهد:

“حين يطمئن القلب… تتحرك الخطوات بحرية.”

ماكرون لم يحتج إلى خطاب طويل ليقول إنه يشعر بالراحة في مصر؛ كانت جولاته كافية. من خان الخليلي إلى كورنيش الإسكندرية، ومن العريش إلى قلعة قايتباي، تحرك الرجل بعفوية بدت لافتة حتى للإعلام الأوروبي نفسه، الذي تعامل مع الزيارة باعتبارها مختلفة في طابعها الإنساني والشعبي.

وربما لهذا السبب، لم تبدُ زيارات ماكرون إلى مصر مجرد زيارات لرئيس أوروبي إلى دولة مهمة في الشرق الأوسط، بل أقرب إلى زيارات صديق يعرف قيمة هذا البلد، ويؤمن بدوره، ويحمل له قدرًا واضحًا من الاحترام والمحبة.

تم نسخ الرابط