عاجل

 

أحيانًا لا تكون القصة في القرار نفسه، بل في الكلمة التي تسبق القرار وتُقدَّم بها الحقيقة للناس، لأن الحكومات، مثلها مثل المؤسسات الكبرى، لا تُدير الاقتصاد والسياسة فقط، لكنها تُدير اللغة أيضًا، وتعرف جيدًا أن وقع المفردة على أذن المواطن قد يكون أحيانًا أهم من مضمون الجملة نفسها، ولهذا لم تعد الكلمات في الخطاب العام مجرد وسائل شرح، بل أصبحت جزءًا من إدارة المشهد الاجتماعي، وربما جزءًا من محاولة التعامل مع الموقف الشعبي.

في السنوات الأخيرة اختفت تقريبًا كلمة “زيادة الأسعار” من الخطاب الرسمي للحكومة، وحلّت محلها كلمات أكثر هدوءًا ومرونة مثل “تحريك الأسعار” و”إعادة التسعير” و”المراجعة” و”ترشيد الدعم”، وكأن اللغة نفسها تحاول أن تقوم بدور الوسيط النفسي بين القرار والناس، أو تحاول تقديم الحقيقة بصورة أقل قسوة وأكثر قابلية، حتى أن المواطن أحيانًا أصبح يسمع كلمة “تحريك” فيفهم فورًا أن هناك زيادة جديدة قادمة، رغم أن الكلمة في معناها اللغوي البسيط لا تحمل بالضرورة هذا المعنى الحاد أو المباشر.

السؤال هنا ليس لغويًا فقط، بل نفسي وسياسي واجتماعي أيضًا: هل تغيير الكلمة يمكن أن يغيّر إحساس الناس بالواقع؟ وهل “تحريك الأسعار” أخف فعلًا من “رفع الأسعار” أم أن الفرق مجرد محاولة لإعادة صياغة الموقف بصورة أكثر هدوءًا؟ الحقيقة أن الكلمات ليست محايدة كما نتصور، لأن المفردة تصنع الانطباع الأول، وتوجّه الإدراك، وتحدد أحيانًا شكل التفاعل النفسي مع الحدث، فحين يسمع المواطن كلمة “زيادة” يشعر مباشرة بالخسارة والضغط والقلق، بينما كلمة “تحريك” تمنح إيحاءً مختلفًا، وكأن الأمر مجرد إجراء فني أو تعديل مؤقت داخل منظومة اقتصادية معقدة، وليس عبئًا إضافيًا سيظهر بعد أيام داخل فاتورة أو سوق أو مصروف يومي.

وهذا جزء معروف من إدارة الخطاب السياسي والإعلامي في دول كثيرة، لأن كل حكومة تدرك أن الناس لا تتفاعل مع الوقائع وحدها، بل مع الطريقة التي تُقدَّم بها الوقائع أيضًا، ولهذا تُصاغ الكلمات بعناية شديدة، وتُختار المفردات أحيانًا كما تُختار الأدوية بجرعات محسوبة، لأن اللغة تستطيع تهدئة القلق أو تقليل حدة الأمور ولو مؤقتًا، حتى أن بعض القرارات تبدو أقل قسوة فقط بسبب طريقة الإعلان عنها لا بسبب مضمونها الحقيقي.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول اللغة من وسيلة شرح إلى وسيلة تجميل دائمة، وعندما تصبح المفردات محاولة تجاوز الإحساس الطبيعي للناس بدلًا من مخاطبتهم بالمضمون المباشر، لأن المواطن قد يتحمل القرار الصعب إذا شعر أن هناك أزمة تحتاج إلى حل، لكنه ينزعج غالبًا عندما يشعر أن اللغة تحاول تخفيف الحقيقة بصورة غير واضحة، أو عندما يكتشف أن الكلمات أصبحت أكثر نعومة من الواقع نفسه.

المفارقة هنا أن كلمة “تحريك” في أصلها كلمة مرنة ومفتوحة الاتجاهات، فهي لا تعني بالضرورة الصعود أو الزيادة، فقد يكون التحريك للأعلى أو للأسفل، لكن الاستخدام الإعلامي المتكرر أعاد تشكيل معناها في الوعي العام حتى أصبحت مرتبطة تلقائيًا بالغلاء وارتفاع التكلفة، وكأن الحكومة نجحت بمرور الوقت في منح الكلمة وظيفة جديدة تختلف عن معناها الأصلي، وهذه في حد ذاتها واحدة من أصعب وأهم صور تأثير اللغة على الوعي الجمعي.

وربما لهذا السبب لا يجب التعامل مع المفردات باعتبارها تفصيلًا ثانويًا أو رفاهية ثقافية، لأن اللغة جزء من تشكيل الإدراك العام، وجزء من العلاقة بين الدولة والمجتمع، بل إن بعض المواقف التاريخية في حياة الشعوب بدأت بإعادة تعريف الكلمات وتغيير دلالاتها وتوجيه معناها داخل الوعي العام، ولهذا تبقى مسألة المصطلحات أصعب مما تبدو عليه أحيانًا.

أظن أن الكلمات تستطيع تهدئة القلق لبعض الوقت، وقد تمنح القرارات مساحة أقل من التوتر، لكنها لا تستطيع إلغاء أثر الواقع نفسه، لأن المواطن لا يعيش داخل المصطلحات، بل يعيش داخل سوق وفاتورة وإيجار ومصاريف يومية وضغوط حقيقية، ومع ذلك تظل اللغة شديدة الأهمية، لأنها تكشف كيف ترى الحكومة الناس، وكيف تريد للناس أن يروا ما يحدث حولهم، وربما لهذا أصبحت كلمة واحدة مثل “التحريك” قادرة وحدها على فتح نقاش طويل عن السياسة والاقتصاد والإعلام وقوة المفردات في تشكيل وعينا اليومي دون أن نشعر.

تم نسخ الرابط