عاجل

نجيب الريحاني عشق صوته.. الشيخ محمد رفعت «كما لم تعرفه»

الشيخ محمد رفعت
الشيخ محمد رفعت

في رحاب "قيثارة السماء" وصوت رمضان الخالد، نبحر اليوم في عالم الشيخ محمد رفعت؛ ذلك الصوت الذي لم يكن مجرد تلاوة عذبة، بل كان حالة من الوجد الصوفي الذي هزّ أركان القلوب من القاهرة إلى لندن وباريس.

حيث تحل عليما اليوم الموافق 9 من شهر مايو ذكرى ميلاد ووفاة صوت مصر الخالد القارئ الشيخ محمد رفعت، والذى رحل فى نفس يوم مولده تاركا خلفه صوتا سيظل خالدا بخلود مصر

 فى حديث سابق كشفت حفيدته، هناء حسين محمد رفعت، الستار عن جوانب إنسانية خفية في حياة هذا العملاق الذي زهد في الدنيا ومغرياتها، واعتزّ بكتاب الله حتى النفس الأخير.

هناء حسين محمد رفعت
هناء حسين محمد رفعت

بين يدي القدر: حسد أطفأ البصر وأشعل البصيرة

لم تكن حياة الشيخ رفعت مفروشة بالورود، بل بدأت بمحنة قاسية وهو لا يزال ابن عامين. تروي حفيدته بأسى: "كان جدي طفلاً جميلاً جداً ومدللاً، يحمله والده مأمور قسم الجمالية فخوراً به، حتى أصابته عين حسود وصفت رموشه بأنها تنام على صحن خده. استيقظ في اليوم التالي بآلام مبرحة فقد على إثرها بصره في عين، ثم لحقت بها الأخرى عام 1936 في حادث مؤلم بمسجد سيدي جابر بالإسكندرية حين فقئت عينه المبصرة بالخطأ وسط زحام المحبين 

 الريحاني و"سحر القرآن" بالفرنسية

من المدهش أن تتخطى قيثارة السماء حدود اللغة والدين؛ فقد كان الفنان نجيب الريحاني واحداً من أشد عشاق الشيخ رفعت. لم يكتفِ الريحاني بسماع صوته، بل دفعه عشقه هذا إلى طلب ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية التي كان يجيدها، رغبةً منه في فهم أسرار هذا الجمال الذي يفيض به صوت الشيخ. لم يكن الريحاني وحده، فكان صالون الشيخ رفعت ملتقى لعمالقة الفن والأدب من أمثال أم كلثوم، وعبد الوهاب، والتابعي، وزكريا أحمد.

تخوف من الراديو.. وفتوى حسمت الموقف

عندما بدأ مشروع الإذاعة المصرية، كان الشيخ رفعت يخشى من "قطعة الجماد" تلك. كان يتساءل بتبتّل: "كيف لصوتي أن ينطلق من مكان قد لا يرضي الله؟". لم يحسم تردده سوى فتوى من شيخ الأزهر آنذاك، محمد الأحمدي الظواهري، الذي طمأنه قائلاً: "لعل عاصياً يسمعك فيلين قلبه". وبالفعل، كان صوته هو أول ما صدحت به الإذاعة المصرية عام 1934 بقوله تعالى: "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً".

الزاهد الذي ردّ أموال الملك والمهراجا

تجسدت عزة النفس في أبهى صورها عندما رفض الشيخ رفعت دعوة الملك فاروق لإحياء ذكرى والده الملك فؤاد، والسبب؟ كان قد أعطى كلمة لسيدة فقيرة من جيرانه ليقرأ في ليلتها، فآثر الوفاء بعهده للبسيطة على الوقوف بين يدي الملك.

ولم تكن الأموال لتغري قلباً امتلأ بالإيمان؛ فقد رفض عرضاً خرافياً من مهراجا هندي للسفر والقراءة هناك، مؤثراً البقاء في مصر والوفاء لجمهوره في ليالي رمضان.

محنة المرض: "أنا غني بكتاب الله"

في سنواته الأخيرة، حُبس صوت الشيخ لمدة 8 سنوات بسبب المرض. ورغم ضيق ذات اليد لدرجة بيع منزله، رفض الشيخ حملة تبرعات شعبية جمعت 50 ألف جنيه (وهو مبلغ طائل حينها)، وكتب جملته الشهيرة التي سطرها التاريخ:"الشيخ محمد رفعت غني بكتاب الله ولا تجوز عليه الصدقة.. أنا مستور والحمد لله"

لحظات الوداع والسكينة

رحل "صوت السماء" عام 1950، محققاً حلمه بالدفن بجوار مسجد السيدة نفيسة. رحل الشيخ وبقي صوته يصافح آذان المصريين كل صباح، مذكرًا إيانا بأن الإخلاص والزهد هما من يصنعان الخلود.

المفارقة القدرية: رحل في يوم مولده

ولأن حياة الشيخ رفعت كانت مليئة بالإشارات والنفحات الربانية، فقد اكتملت الدائرة بمفارقة قدرية نادرة؛ فقد وُلد في 9 مايو عام 1882، وشاءت الأقدار أن يرحل عن عالمنا في نفس اليوم والشهر، 9 مايو عام 1950. وكأن روحه التي طافت بالدنيا لثمانية وستين عاماً، اختارت أن يكون يوم قدومها للأرض هو ذاته يوم عروجها إلى السماء، لتظل ذكراه السنوية عيداً لميلاده ووفاته معاً، وتذكيراً بجوهرته الصوتية التي لا تغيب.

تم نسخ الرابط