القارئ الشيخ محمود البيجرمي.. صوت متمكن و هادئ غادر في صمت الكبار
في رحاب التلاوة المصرية، ثمة أصوات تمر كالسحاب الهادئ، لا ضجيج حولها لكن أثرها ينبت في القلوب خشوعاً، واليوم ونحن نستحضر ذكرى رحيل القارئ الشيخ محمود البيجرمي، لا نتذكر مجرد صوت جميل، بل نستعيد فصلاً هائلاً من فصول مدرسة الهدوء والإحكام في دولة التلاوة.
فبينما تمتلئ سماء القراءة بأصوات القوة، اختار الشيخ محمود البيجرمي لنفسه مساراً يعتمد على النفس الطويل والتحكم العبقري في المقامات والوقار الشديد الذي يجعل المستمع يشعر وكأن الآيات تتنزل بهيبتها الأولى.
ولد الشيخ محمود البيجرمي في قرية "بيجرم" بالمنوفية، ولم يكن باحثاً عن الشهرة بقدر بحثه عن أمانة الأداء، والتحق بالإذاعة المصرية في وقت كان التنافس فيه على أشده بين عمالقة الجيل الذهبي، لكنه استطاع حجز مقعده الخاص بفضل أدائه الرصين الذي يبتعد عن الاستعراض الصوتي ويركز على إيصال المعنى، متميزاً بانضباط أحكامي صارم جعله مرجعاً للمبتدئين وتلوين مقامي هادئ ينتقل فيه بين البياتي والرصد والنهوند بسلاسة تمنح المستمع راحة نفسية عميقة.
ورغم القارى الشيخ محمود البيجرمي إلا أن تسجيلاته لاتزال تمثل ساعة الصفاء لكثير من المستمعين، والسر يكمن في إخلاصه للصوت لا للصيت، حيث لم يتكلف في أدائه قط بل كان صوته مرآة لشخصيته الزاهدة الوقورة التي تقرأ بالقلب قبل الحنجرة، لتصل تلاوته إلى الروح دون استئذان.
سافر الشيخ البيجرمي ممثلاً لمصر في العديد من البعثات الدينية إلى دول العالم العربي والإسلامي، كما عُين قارئاً للسورة في مسجد "عمر مكرم" بوسط القاهرة، وهو منبر ذو دلالة تاريخية وثقافية كبيرة. ظل الشيخ يصدح بالقرآن حتى فجر يوم الاثنين 11 مايو 1992، حيث رحل بعد أن سجل للإذاعة المصرية والمكتبات الصوتية العربية مئات التلاوات النادرة التي لا تزال تُبث حتى اليوم.
ملاذ آمن للباحثين عن السكينة
رحل القارئ الشيخ محمود البيجرمي وترك خلفه مكتبة صوتية هي بمثابة ملاذ آمن لكل باحث عن السكينة، ليبقى علامة فارقة في تاريخ المقرئين المصريين وقصة نجاح كُتبت بحروف من نور، عنوانها أن البقاء للأصدق، وأن الصوت الذي يخرج من الوجدان يسكن في الذاكرة إلى الأبد.



