عند قراءة المشهد الإيراني في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يمكن اختزال القضية في ميزان القوة العسكرية أو حجم الترسانة النووية والتكنولوجية فقط، لأن الصراع في جوهره يرتبط بالتاريخ والهوية السياسية والجغرافيا وطموحات النفوذ الإقليمي والدولي، إضافة إلى التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي.
فلا شك أن الولايات المتحدة ما تزال تمثل القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الأكبر عالميًا، مدعومة بتحالفات واسعة ونفوذ سياسي يمتد عبر العالم، بينما تعد إسرائيل من أكثر دول المنطقة تفوقًا عسكريًا واستخباراتيًا.
ومع ذلك، ما تزال إيران قادرة على الصمود والمواجهة وفرض نفسها لاعبًا رئيسيًا في معادلات الشرق الأوسط، رغم العقوبات والضغوط والتصعيد المستمر منذ عقود.
ولا يمكن فهم جذور هذا المسار دون العودة إلى واحدة من أهم اللحظات المفصلية في تاريخ العلاقات بين البلدين، وهي أزمة رهائن السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، فقد شهدت تلك الأزمة اقتحام السفارة واحتجاز 52 دبلوماسيًا وموظفًا أمريكيًا لمدة 444 يومًا، في واحدة من أطول أزمات الرهائن في التاريخ الحديث.
وقد فشلت إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في إنهاء الأزمة، بما في ذلك عملية إنقاذ عسكرية انتهت بالفشل، قبل أن تنتهي الأزمة مع بداية عهد الرئيس رونالد ريغان عبر اتفاق غير مباشر. هذه الواقعة شكلت نقطة تحول استراتيجية، أسست لمرحلة طويلة من العداء السياسي والعقوبات والقطيعة بين الطرفين.
كما أن مرحلة ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979 أسست لعقيدة سياسية تقوم على الاستقلال ورفض الهيمنة الخارجية، وهو ما منح النظام الإيراني قدرة على تعبئة الداخل وتحمل سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية والسياسية. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن هذه المسيرة رافقها أيضًا اختراقات أمنية واستخباراتية، تمثلت في اغتيال علماء نوويين وشخصيات عسكرية داخل إيران، إضافة إلى حروب وضربات غير مباشرة في فترات متفرقة، ما يعكس طبيعة صراع معقد يقوم على الاستخبارات والحرب السيبرانية بقدر ما يقوم على القوة العسكرية.
في المقابل، عملت إيران خلال العقود الماضية على بناء شبكة نفوذ إقليمي في عدد من الساحات، مستفيدة من التحولات التي شهدها الشرق الأوسط بعد الغزو الأمريكي للعراق، وما تبعه من فراغات سياسية وأمنية في المنطقة. وقد منحها ذلك أوراق ضغط سياسية وأمنية جعلت التعامل معها أكثر تعقيدًا بالنسبة لخصومها.
كما أن الجغرافيا الإيرانية لعبت دورًا مهمًا في تعزيز هذا الصمود؛ فإيران دولة واسعة المساحة، ذات كثافة سكانية كبيرة، وتمتلك موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية يربط الخليج العربي بآسيا الوسطى، فضلًا عن تأثيرها في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة عالميًا، ما يجعل أي مواجهة معها ذات تأثير مباشر على الاقتصاد العالمي.
وفي السنوات الأخيرة، برزت إيران ضمن منظومة إقليمية معقدة تمتد من المشرق العربي إلى البحر الأحمر، في إطار توازن الردع غير المباشر، حيث لا تدور المواجهة في ساحة واحدة بل في عدة ساحات متداخلة.
لكن في المقابل، تواجه إيران تحديات داخلية وخارجية مهمة، أبرزها العقوبات الاقتصادية التي أثرت على مستوى المعيشة، إضافة إلى مطالب اجتماعية متزايدة بالإصلاح الاقتصادي والانفتاح، فضلاً عن الضغوط الإقليمية المتغيرة التي تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
وعلى المستوى الدولي، لم يعد الصراع مرتبطًا بإيران وحدها، بل أصبح جزءًا من تحولات أوسع في النظام الدولي، في ظل تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى، واتجاه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب بدل الهيمنة الأحادية.
وأمام كل هذه الوقائع، يتضح أن الرهانات على إسقاط الدولة الإيرانية أو دفعها نحو الفوضى لم تتحقق حتى الآن.
فرغم الضغوط والعقوبات والعمليات الأمنية والتصعيد العسكري، ما تزال إيران قادرة على الاستمرار وإدارة توازناتها الداخلية والخارجية.
كما أن الخيارات العسكرية والتكنولوجية لم تنجح في تحقيق حسم استراتيجي، وهو ما يعكس تعقيد هذا النوع من الصراعات، حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لتحقيق الأهداف السياسية الكبرى.
وفي المقابل، ما تزال إيران تتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا، وتستثمر في شبكة علاقات إقليمية ودولية تجعلها طرفًا مؤثرًا في المعادلة الدولية، وليس مجرد طرف متلقي للضغوط.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن الولايات المتحدة، رغم مكانتها كقوة عالمية كبرى، واجهت تحديات معقدة في هذا الملف، ولم تحقق نتائج حاسمة بالمعنى الاستراتيجي، ما يفتح نقاشًا أوسع حول حدود القوة في النظام الدولي الحديث وقدرة الدول على فرض إرادتها في صراعات طويلة ومعقدة.
وفي النهاية، فإن فهم الصمود الإيراني لا يكتمل إلا بقراءة شاملة تشمل التاريخ والجغرافيا والعقيدة السياسية وتجربة الصراع الممتدة منذ أزمة 1979، وصولًا إلى التحولات الكبرى في النظام الدولي، حيث تتجه العلاقات الدولية نحو مزيد من التنافس وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
