لا يهزم الرأيَ سوى الرأي، ولا تُبطِل الحجةَ سوى حجةٍ أقوى وأصدق منها. هناك آراء تحمل الكثير من الغرابة، بل والصدمة العلمية والاجتماعية والدينية، ولا سبيل لمواجهة المغايرين للسائد والراسخ، أو المتصادمين مع النظريات، سوى التفنيد ثم إبطال أفكارهم. وأظن أن مهمة الإنسان الأولى على هذه الأرض هي التفكير. فهذا التفكير هو ما يميز مجتمعًا عن غيره، فسنة الحياة هي التطوير والتطور. وما من نظرية علمية أو فلسفية نضجت واكتملت إلا بأفكار متجددة ومتطورة، بل ومتعارضة في كثير من الأحيان. فالمجتمعات تنضج وتتطور بالوعي النقدي، والتفاعل المشترك، ودراسة الأفكار الجديدة وفهمها، والإبداع في شتى المناحي. وكل شيء في الحياة بحاجة إلى التأمل، وكما قال سقراط: «ما استحقت الحياة أن نعيشها إذا لم نتأملها جيدًا». فالأفكار تُحفّز وتشجع على ظهور ما يؤيدها أو يعارضها أو ينفيها.
قبل أيام كنت في جلسة يتحدث فيها أحد مفكرينا، وكان يشير إلى أن ممثلًا بعينه أفسد جيلًا كاملًا، وأيده في ذلك كل الحضور، ولذتُ أنا بالصمت رغبةً في الابتعاد عن جدل فارغ. لكني أكتب هنا أنه من العيب، بل ومن الفضيحة، أن نقول إن فردًا، أيًا كان عمله، أفسد جيلًا. فكيف لفرد أن يهزم مؤسساتنا التعليمية التي تضم ملايين الطلاب، وتنفق عليها الدولة مليارات؟ وكيف يُلغي عمل مؤسساتنا الثقافية ووسائل إعلامنا ومؤسساتنا الرياضية، وكل الجهات المعنية بترسيخ القيم الصحيحة والعلم الناصع والفكر الناضج؟ إذا كان هذا الممثل قد هزم فعلًا كل هذه الجهات، فهو بطل يجب أن نستفيد منه، لأنه يؤثر في مجتمع بأكمله أكثر من المدارس والجامعات ودور العبادة ودور الثقافة ووسائل الإعلام. وهذا يعني أن كل هذه المؤسسات والجهات بلا قيمة ولا فائدة، وأن الإنفاق عليها لا طائل منه. والأفضل، في هذه الحالة، أن نستثمر في هذا الممثل أو غيره، ما دام له هذا الطغيان على الأجيال.
أيضًا تابعت، مثل كثيرين، أزمة الدكتور الراحل ضياء العوضي بعد وفاته. وجدت صخبًا ونزاعات وغضبًا يكاد يتحول إلى فتنة. وعدت لأسأل: لدينا عشرات من كليات الطب، وآلاف الأطباء، ووزارة للصحة، ووسائل إعلام، ومع هذا لم تجد الجهات المعنية بدًّا أمام جيش المصدقين لأقوال الراحل سوى منع تداول فيديوهاته وحذفها من الشبكة. لم أفهم حتى اللحظة: هل العيب في العلماء الذين لم يقنعوا الناس بعكس ما قال؟ أم أن العيب في طريقة تقديم الرسالة؟ أم أن وسائل الاتصال التقليدية فقدت مصداقيتها؟ وهل يمكن أن يكون المنع وسيلة ناجعة في ظل شبكة الإنترنت؟
شخصيًا، لم أسمع عن هذا الطبيب إلا مؤخرًا، وتكفلت فيديوهاته المنتشرة بكثافة على مواقع التواصل بالأمر، فاكتفيت بمشاهدة بعضها. لم يعجبني أسلوبه، ولم أتقبل جلّ كلامه، ربما لأنه يضرب في ثوابت عشنا عليها، وربما لأنه يتحدث بلهجة منفّرة. كذلك تابعت بعض الردود العلمية من أطباء كبار ينسفون نظريته من الأساس، بل ويتجاوزون الرد العلمي إلى السخرية مما قدمه، لكن هذا لم يمنع انتشار أقواله. واستوقفتني أيضًا الإجراءات الحادة التي جرى اتخاذها قبل رحيله من الجهات العلمية المعنية: الفصل من الجامعة، والفصل من نقابة الأطباء، وغلق عيادته، ومنعه من الظهور الإعلامي. باختصار، إنهاء حياته العملية والعلمية تمامًا. وسألت نفسي: هل هذا إجراء مناسب؟ وهل يمكن لشخص واحد أن يشكل خطرًا على علماء الطب أو على المجتمع؟ وهل عجز هؤلاء عن هزيمة الرجل بالحجة العلمية والمنطق القويم، فرأوا الحل في تجريده من كل ما حصل عليه بدراسته حتى الدكتوراه؟ وهل رأت الجهات العلمية أن العوضي يبيع السم للناس ويجد من يشتريه رغم تحذيراتهم الكثيرة؟ ولماذا يصدقه من يتبعونه، ولا يصدقون من يحذرهم؟
الحقيقة أن الإجابة عن هذه الأسئلة تواجه عقبات جمّة؛ أولها السقف الذي يجب أن يتوقف عنده التفكير العلمي أو الاجتماعي، وثانيها أن الحجة التي تعجز عن فرض نفسها ليست حجة من الأساس، وثالثها أن وجود رأي أو فكرة تواجه بعشرات أو مئات الأفكار ولا تُهزم، بل تنمو وتتشعب، يعني أن هذه الفكرة تستحق، على الأقل، نقاشًا معمقًا ودراسة علمية للظاهرة. فليست المعضلة هنا في خطأ أو صواب ما قُدم للناس، وإنما تكمن المشكلة في الأسباب والدوافع التي جعلت طائفة من الناس تثق وتتبع ما يُقال، مع أن الصحة هي أغلى ما يمتلك الإنسان.
الحقيقة المرة أن هناك عداءً راسخًا ومتجذرًا في بنيتنا العقلية تجاه الفكر الخارج عن المتوارث والمألوف والمعتاد، ودائمًا ما نواجه ذلك بحدة وقسوة. وكان من الأجدر أن نفهم لماذا نجح العوضي في أن يخلق لنفسه قاعدة واسعة تصدقه وتستسلم له تمامًا. فمثل هذه الظواهر قابلة للتكرار، وبالتالي نحن بحاجة إلى فهم أسرار الوصول إلى قطاع عريض من الناس، وبعضهم على درجة عالية من العلم والتعليم. نحتاج إلى فهم طبيعة الخطاب وطبيعة المتلقي، ونحتاج إلى معرفة سيكولوجية الناس في مثل هذه الأمور، ومن ثم تعديل الفكر وتصحيحه، لا الاكتفاء بالتصادم الحاد.