عاجل

الدكتور القس عاطف مهني: الطلاق في تعليم السيد المسيح ليس خياراً قابلاً للنقاش

الدكتور القس عاطف
الدكتور القس عاطف مهني

قال الدكتور القس عاطف مهني، مدير مركز دراسات مسيحية الشرق الأوسط التابع لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة، بأن تعليم المسيح ترفض الطلاق كخيار مفتوح، ولا يجيزه إلا لعلة الزنا، مشدداً على أن الزواج عهد مقدس بين رجل واحد وامرأة واحدة مدى الحياة.
واضاف “ مهني ” خلال مشاركته التي نشرت بمجلة “النسور” ، الصادرة عن الهيئة القبطية  الإنجيلية  للخدمات الاجتماعية، تحت عنوان “الطلاق في تعليم السيد المسيح” ، تناول فيها الموقف الكتابي واللاهوتي من قضية الطلاق، بأنه عندما أقترب من موضوع الطلاق والزنا، أجد نفسي في صراع كبير، أكثر مما تخيلت. فقد صارت المشاكل الزوجية التي تصل بسرعة إلى انفصال أو طلاق، شيئاً من مظاهر الحياة شبه المعتادة، حتى بيننا نحن المسيحيين. ولم يعد مُستغرَباً سماع أخبار طلاق تقع بين المسيحيين وأبناء الكنائس. وهذه التجارب التي تواجه البيوت المسيحية، مؤلمة للغاية، بغض النظر عن الطرف المخطئ والطرف البريء، فالنتيجة الحتمية أن الطرفين يعانيان من آلام خيبة الأمل، وأحزان انهيار الأحلام، وأوجاع سقوط الذكريات الطيبة، وآثار مدمرة على الأبناء».  

 الوصية الكتابية: ما جمعه الله لا يفرقه إنسان  


وأوضح مهني أن «الطلاق ليس من السهل التعامل مع النصوص الكتابية الخاصة بالطلاق بصورة تتجاهل هذا الواقع المعاصر، فالحاجة إلى بُعد رعوي يراعي ما وصلنا إليه، ليس رفاهية. لكن أمانة التعامل الجاد مع ما تُعلّمه كلمة الله عن هذا الأمر، والمحاولة الصادقة لفهم الوصية كما قصدها الروح القدس، ليس خياراً يقبل النقاش ولا المساومة».

 وأضاف أنه قرر «بتواضع كثير وخوف أقترب من نصوص تعاليم السيد المسيح المتعلقة بأمري الطلاق والزنا، متكلاً على نعمة الله من جهة، وواثقاً بأن في أضيق وصايا المسيح، يلتقي الحق والرحمة دون حاجة بشرية منا لبذل الجهد لإنصاف أحدهما».  

النصوص المؤسسة: متى 5 و19 ومرقس 10  


واستعرض “ مهني” النصوص الكتابية المتعلقة بمسألة الطلاق في تعاليم السيد المسيح والعهد القديم أيضاً، وهي: متى 5: 31-32، ومتى 19: 3-10 بوصفهما نصين أساسيين، وتثنية 24: 1-4، ورومية 7: 2-4. وأشار إلى أن المسيح في متى 5: 27-32 قال: «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ... وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقٍ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي».  • موسى أذن بالطلاق لقساوة القلوب.. والمسيح أعاد الأصل  
وفي متى 19: 3-11 جاء الفريسيون ليجربوه قائلين له: «هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟» فأجاب: «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَرًا وَأُنْثَى؟ وَقَالَ: مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». قالوا له: «فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَق فَتُطَلَّقُ؟» قال لهم: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هكَذَا. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَب الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي، وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي».

  أما بالنص الكتابي في مرقس 10: 2-12: «فَتَقَدَّمَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَسَأَلُوهُ: هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ؟ لِيُجَرِّبُوهُ. فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: بِمَاذَا أَوْصَاكُمْ مُوسَى؟ فَقَالُوا: مُوسَى أَذِنَ أَنْ يُكْتَبَ كِتَابُ طَلاَق، فَتُطَلَّقُ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ كَتَبَ لَكُمْ هذِهِ الْوَصِيَّةَ، وَلكِنْ مِنَ بَدْءِ الْخَلِيقَةِ، ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمَا اللهُ. مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقْهُ إِنْسَانٌ». ثم في البيت سأله تلاميذه أيضاً عن ذلك، فقال لهم: «مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي عَلَيْهَا. وَإِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْنِي».

  • تثنية 24 ورومية 7: ضوابط العهد القديم  


وذكر “ مهني”  نص تثنية 24: 1-4 الذي ينظم حالة المرأة المطلقة، ونص رومية 7: 2-4: «فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي تَحْتَ رَجُل هِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ بِالرَّجُلِ الْحَيِّ. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَقَدْ تَحَرَّرَتْ مِنَ نَامُوسِ الرَّجُلِ. فَإِذًا مَا دَامَ الرَّجُلُ حَيًّا تُدْعَى زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُل آخَرَ. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنَ النَّامُوسِ، حَتَّى إِنَّهَا لَيْسَتْ زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُل آخَرَ».

  تحديات تعليم المسيح: لماذا لم يجب بنعم أو لا؟  


وتحت عنوان “ما تحديات وصعوبات تعاليم السيد المسيح في إنجيلي متى ومرقس بشأن الطلاق؟”،  قال مهني: واضح أن أمر الطلاق كان أمراً شائكاً أيام السيد المسيح، حتى إن مقاوميه من الكتبة والفريسيين حاولوا استغلال هذا الأمر في تجربته، وإيقاعه في مشكلة إن أمكن. فإن أجاب عن أسئلتهم بتعليم مخالف للناموس، يكون قد جدّف، وإن تشدّد عن تعليم معلميهم المشهورين، يثور الناس عليه! وفي سياق أسئلة الفريسيين وإجابات السيد المسيح، نرصد الصعوبات التالية: سؤال الفريسيين، لا سيما في صياغة متى 19: 3 هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟ يبدو غريباً ويحتاج للكشف عن خلفيته، أي المعتقد والممارسة اليهودية التي كانت سائدة في تلك الأيام».  

وصية موسى: تنظيم لا إباحة  


وأوضح: «ما جوهر وفحو وصية موسى في تثنية 24؟ هل هي وصية لإباحة الطلاق، أم تحديد أسبابه؟ أم شرح كيف يُجرَى الطلاق؟ ما معنى قول السيد المسيح إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم؟ وما مضمون إذن موسى؟ وما دلالته؟ وما موضوع كتاب الطلاق الذي أوصى به موسى؟ لماذا لم يجب السيد المسيح بوضوح عن أسئلة الكتبة والفريسيين بشأن مدى أحقية الرجل أن يطلق في كل وقت؟ وما المنظور الجديد الذي وجَّه السيد النظر إليه؟».

   خلفية يهودية: شمعي وهليل  
وأضاف “ مهني”  تحت عنوان «خلفية واجبة»: «يلقي المؤرخ اليهودي يوسيفوس الضوء على قضية الطلاق في زمن السيد المسيح، مشيراً إلى تعليم معلمي الشريعة من الفريسيين في هذا الشأن، لا سيما رباي شمعي ورباي هليل. ونحن نعلم أن شمعي وهليل كانا صاحبي مدرستين فقهيتين متضادتين في تفسير الناموس في كل شيء تقريباً. فقد كان شمعي محافظاً، متشدداً، ومتمسكاً بحرف الوصية، وكان هليل أكثر ليونة وسماحة وتحرراً وأكثر مراعاةً لواقع الناس وحاجاتهم الحياتية في كثير من مواقفه التفسيرية والفقهية. ومن العجيب أن مواقف السيد المسيح في كثير من الأحيان كانت تتوافق مع هليل الذي كان يراعي روح الوصية لا حرفها، لكن في الموقف من الطلاق هنا، يبدو موقف السيد المسيح أقرب لرأي شمعي المتشدد». 

 المسيح لا يتمسك بحرف الوصية بل بالقصد الإلهي  


وتابع: «وإن كان الأمر بالنسبة للسيد المسيح، بالتأكيد لا يتعلق بالتمسك بحرف الوصية، بل بشيء أهم، كما سنرى الآن. لقد اعتقد شمعي أن تعبير عيب شيء الوارد في تثنية 24: 1 إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها، فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء، لا يعني مجرد عيب ما أو أي عيب، بل فهم التعبير على أنه لا بد وأن يشير إلى اكتشافه شيئاً مشيناً، يتعلق بالشرف مثلاً، لم يكن يعرفه عنها قبل الزواج، مثل علاقة جنسية غير شرعية. فهنا يكون له حق الطلاق. بينما فسر المعلم هليل تعبير عيب شيء أنه يعني أي عيب وتوسع في إعطاء أمثلة للعيب الذي يبيح للزوج طلاق زوجته، فذكر أن تطبخ لزوجها طبيخاً لا يعجبه، أو أن يحترق منها الطبيخ، أو أن تستيقظ من النوم ووجهها مكمد، أو ألا تحسن استقباله عند عودته للمنزل... وغير ذلك».

   معالجة لغوية: بورنيا تعني الزنا  


وفي «معالجة لغوية» قال" مهني" : «يستخدم البشير متى في 9:19 كلمة πορνεία والتي تُنطق بورنيا وتُرجَم زنا عندما يشير لحالة الاستثناء التي يمكن أن يُسمَح بها في الطلاق: من طلق امرأته إلا لعلة الزنا. وهذه الكلمة تعني أي نوع من الممارسة الجنسية غير المشروعة، أي خارج إطار الزواج، سواء كانت قبل الزواج، أو بعده، أو ممارسة جنسية مع المحارم... أو غيرها. لكن يستخدم البشير كلمة أخرى للزنا μοιχεύω والتي تنطق مويخيا وتُرجَم أيضاً زنا وتُستخدَم هنا للإشارة لمن يطلق امرأته ويتزوج ثانية فهو يزني. ويتطابق البشير مرقس مع البشير متى في أن الطلاق الذي يليه زواج يُعدُّ زنا μοὶχα (مويخيا) أي خيانة زوجية يزني عليها، سواء حدث ذلك من الزوج أو الزوجة (مرقس 10: 11). لكن في مرقس لا يُذكر أي استثناء يبيح الطلاق، حيث لا ترد عبارة إلا لعلة الزنا».  

رأي السيد المسيح: أعاد البشر لقصد الله من البدء  


وتحت عنوان “رأي السيد المسيح” قال مهني: «لم يجب السيد المسيح إجابة مباشرة عن سؤال الفريسيين كما توقعوا. فلم يكن رده: نعم يجوز الطلاق في كل حال، أو لا يجوز الطلاق إلا في حال كذا، لكن السيد المسيح وجَّه نظر السائلين إلى القصد الإلهي في الأصل، أي منذ الخلق وهو الزواج (تكوين 1: 27؛ 2: 24). زواج رجل واحد من امرأة واحدة. وبالتالي فإن الطلاق ليس جزءاً من الخطة الإلهية الأساس، ولا يمكن التعامل معه بوصفه وضعاً طبيعياً مقابلاً للزواج، أو تابعاً له، أو أنه من ممارسات الحياة الطبيعية لكن من بدء الخليقة، ذكراً وأنثى خلقهما الله. من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسداً واحداً. إذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد (متى 19: 4-5؛ مرقس 10: 6-8)».  

 الوحدة الجديدة: جسداً واحداً مدى الحياة  


ويكمل السيد المسيح مؤكداً أن هذه الوحدة الجديدة الناشئة عن الزواج، التي أسماها السيد جسداً واحداً، قصد الله لها أن تستمر مدى الحياة، لا أن تُقوَّض، وتتعرض للفراق «وما جمعه الله لا يفرقه إنسان» (متى 19: 6؛ مرقس 10: 9). هذا المدخل الذي اتخذه السيد، يشبه ما يقوم به الطبيب عند الكشف على مريض، فهو يحاول معرفة مدى انحراف حالة المريض على الوضع الأصلي الصحي لجسم الإنسان. ويحاول الطبيب، قدر إمكانه، أن يعيد بالعلاج العضو المريض إلى حالته الطبيعية. لكن إن كانت الحالة متردية، فيحاول الطبيب تحسين الحالة والإبقاء على حياة المريض. من أجل هذا، كان أول ما عمله السيد مع سائليه، هو تذكيرهم بالوضع الأصلي الصحي الذي أسسه الله منذ بدء الخليقة للعلاقة الزوجية وهو الوحدة والعيش معاً دون افتراق». 

  موسى أذن لا أوصى.. لحماية المرأة  


وهنا يعود السيد المسيح للتعامل مع وصية موسى في تثنية 24: 1-4، مصححاً بعض المفاهيم المغلوطة والتي وردت مستترة في سؤال الفريسيين: «فلماذا أوصى موسى أن يُعطى كتاب طلاق فتُطلَّق؟» والحقيقة أن السؤال بهذه الصيغة مليء بالمغالطات، بل والتلفيق. فهل أوصى موسى بالطلاق؟ وهل أوصى أن إجراء الطلاق لا يكلف الرجل إلا توقيع كتاب/وثيقة طلاق لزوجته فيكون قد قام بكل ما هو مطلوب منه لزوم الطلاق؟ هنا يجيب السيد بأن موسى أذن لهم بإعطاء كتاب طلاق، أي في حالة وقوع الطلاق. والفارق كبير بين الوصية -التي هي واجبة الطاعة لأنها تتعلق بشيء مطلوب عمله- وبين الإذن -الذي هو تصريح للضرورة. فأنت لا تحتاج لإذن مديرك لتتصرف في المواعيد المحددة لعملك، لكنك تحتاجه إذا اضطرتك الحاجة للمغادرة قبل موعد الانصراف المعتاد!

  كتاب الطلاق رحمة للمظلومة

  
أما عن إعطاء الرجل كتاب الطلاق للمرأة المُطلّقة، فقد كان بمثابة إذن مملوء بالرحمة للمرأة، في حال وقوع الطلاق، لاسيما لو كانت مظلومة. ففي أيام كتابة هذه الوصايا، كان احتياج المرأة أن تكون في كنف رجل يرعاها ويحميها ويوفر لها المعيشة. وبالتالي ففي حالة طلاقها من دون وثيقة تثبت أنها لم تُعد على ذمة رجل، يحرمها هذا من الزواج ثانية؛ لأنه يظهرها بمظهر الزانية، التي ارتبطت برجل غير زوجها، وبالتالي فهي تستحق الرجم بموجب شريعة موسى.

   تثنية 24 لا تبيح الطلاق بل تنظمه  


إذاً فإن نص تثنية 24 ليس معنياً بمناقشة أسباب الطلاق وليس المقصود منه أن الطلاق لا يكلف الرجل أكثر من إعطاء المرأة وثيقة طلاق، لكنه يركز على أمرين في حال وقوع الطلاق: أولهما: وجوب أن تُعطى المرأة كتاب (وثيقة) طلاق، دليلاً على أنها لم تُعد على ذمة رجل، وثانيهما: هو عدم جواز أن يعيد الرجل مطلّقته لعصمته، بعد ارتباطها برجل آخر، حتى لو مات هذا الرجل أو طلقها، ولعل السبب في ذلك هو إرساء مبدأ قدسية الزواج وعدم التسرع بتاتاً في الطلاق على اعتبار أن الرجل يمكن أن يتزوج ثم يطلق لأي سبب، ثم يغير رأيه ويرد زوجته، وكأن الأمر هو لعبة أو تسلية تخضع للمزاج والنزوات. وهنا يشرح السيد المسيح أن إذن موسى بإعطاء المطلقة وثيقة طلاق، جاء بسبب قساوة قلوب البشر، وعدم رغبتهم في طاعة الوصية الإلهية بالتمسك بقدسية الزواج، بل بسبب امتداد القساوة للحد الذي فيه لا يراعي الرجل تأمين مستقبل زوجته بعد الطلاق، بل لا يعنيه إن كانت تعيش من دون عائل، أو أن تُرجَم إذا ارتبطت بزواج دون أن يكون لديها ما يثبت أنها لم تُعد على ذمة رجل. 

  السبب الوحيد: الزنا  


وأخيراً يخلص السيد المسيح أننا إذا رجعنا إلى القصد الأزلي من الزواج كما رسمه الله منذ بدء الخليقة، فإن السبب الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى الطلاق هو زنا أحد طرفي العلاقة، لأن هنا الزاني يُعد هو والميت شيئاً واحداً. فبالزنا، أخرج هذا الطرف نفسه من رباط الزواج وارتبط قلباً وجسداً بطرف آخر. ويكون هنا الطرف البريء في حلٍّ أن يرتبط بآخر، كمن مات زوجها، فتزوجت، أو ماتت امرأته فتزوج ثانية (انظر رومية 7: 2-4). أما من يطلق لأي سبب آخر ثم يتزوج، فإنه يزني إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني، والذي يتزوج بمطلقة يزني (متى 12: 9). ويأتي نص تعليم السيد في إنجيل مرقس مشابهاً لما ورد في إنجيل متى: من طلق امرأته وتزوج بأخرى يزني عليها، وإن طلقت امرأة زوجها وتزوجت بآخر تزني (مرقس 10: 11). هنا يقول السيد إن زواج الطرف المُطلَّق زنا، لا احتمال شبهة أن يكون هذا الطرف قد سعى للطلاق من أجل الزواج من آخر. وهذا يُعد كسراً للعهد الإلهي، ويفرق ما جمعه الله، فيرتبط الرجل بأخرى وهو أمام الله لا يزال مرتبطاً في عقد وعهد زواج، إذ لم يكن مبرراً لأسباب الطلاق مع مراعاة سد الثغرات التي قد يستغلها قساة القلب في الاستمرار في ظلم الطرف الآخر وقهره.  

 التوازن بين أمانة الوصية ورحمة التطبيق

  
واختتم الدكتور القس عاطف مهني مدير مركز دراسات مسيحية الشرق الأوسط التابع لكلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة، أود أن أطلب من كنيسة المسيح أن تراعي مبدأ «الوقاية خير من العلاج». فإن تقدم العلوم الطبية يظهر ليس فقط في توفير أدوية لعلاج الأمراض والأوبئة، بل في توفير التطعيمات والأمصال الوقائية والأدوية المقوية للمناعة. هكذا يجب على الكنيسة أن تقي أبناءها من مشاكل البيوت المنقسمة، بأن تساهم بكل السبل في تربيتهم على التمسك بتعاليم المسيح، بما فيها قدسية الزواج. ولا يجب أن تُجرَى زيجة في الكنيسة دون مشورة ما قبل الزواج التي تساعد الأزواج كثيراً على تخطي التحديات والصعوبات التي تواجه الحياة الزوجية، والتي يؤدي الجهل في التعامل معها إلى مشاكل تقسم البيوت وتقود إلى الطلاق والخراب. دعونا في الختام نحاول أن نخلص إلى بعض التطبيقات العملية التي تراعي الأمانة والتمسك بتعاليم المسيح عن الطلاق من جهة، ولا تهمل الواقع العملي والمشاكل الناتجة عن قساوة قلب الإنسان الذي قد لا يعنيه كثيراً التمسك بتعاليم السيد. وقد مارس السيد المسيح في هذا الموقف هذا التوازن الدقيق بالضبط. فمن جهة التفسير ومسؤولية الرعاية. يقول ستوت إنه عندما يأتيه واحد من الرعية طالباً أن يتكلم معه على رغبته وحاجته للطلاق، يجيبه ستوت بأنه مستعد أن يسمعه، بشرط أن يستمع طالب المشورة أولاً لستوت وهو يكلمه عن قصد الله الأصلي في الزواج، وأيضاً عن قصد الله لأبناء الملكوت، أن يكونوا صانعي سلام (متى 5: 9). فلا يعقل أن أبناء الملكوت يكونون صانعي سلام في العالم ويعجزون عن صنع السلام بالصورة التي تصون بيوتهم وزواجهم. يقول ستوت، عادة عندما نتكلم بعمق في هذين الأمرين، لا نحتاج أن نتكلم عن الطلاق "ستوت، الموعظة علي الجبل" 

تم نسخ الرابط