هل يشعل ضرب الإمارات فتيل حرب أمريكا وإيران؟.. خبيرة سياسية تجيب
في ضوء تكرار استهداف الإمارات أكثر من مرة خلال فترة زمنية محدودة، يصبح من الصعب التعامل مع هذه التطورات باعتبارها مجرد رسائل ضغط تقليدية، بل نحن أمام تحول أعمق في بنية الصراع الإقليمي، حيث يجري الانتقال من “إدارة التوتر” إلى “هندسة عدم الاستقرار” كأداة استراتيجية قائمة بذاتها.
وفي هذا السياق، قالت نهال الشافعي، الباحثة في الشؤون السياسية والاستراتيجية، في تصريحات خاصة لموقع “نيوز رووم”، إن ما يحدث لا يعكس فقط تصعيدًا في وتيرة العمليات، بل يكشف عن محاولة لإعادة تعريف المجال الجغرافي للصراع، بحيث لم تعد بؤر التوتر محصورة في ساحات تقليدية، وإنما تمتد إلى مراكز الثقل الاقتصادي واللوجستي في المنطقة.
وأوضحت الشافعي أن استهداف الإمارات تحديدًا يحمل أبعادًا مركبة، تتجاوز الرسائل العسكرية المباشرة، ليصل إلى مستوى “الضغط البنيوي”، حيث يتم ضرب أحد أهم نماذج الاستقرار الاقتصادي في الشرق الأوسط، بما ينعكس على ثقة الأسواق، وتدفقات الاستثمار، وشبكات التجارة العالمية، فالهجوم هنا لا يُقاس فقط بحجم الخسائر المادية، بل بتأثيره التراكمي على صورة “البيئة الآمنة” التي تمثل أحد أعمدة القوة الإماراتية.
وأضافت أن هذا النمط من العمليات يعكس انتقال بعض الفاعلين إلى استراتيجية “تفكيك الردع المتدرج”، أي اختبار حدود الردع على مراحل صغيرة ومتكررة، بدلًا من المواجهة الكبرى، بهدف استنزاف القدرة على الرد، وإرباك حسابات التصعيد، وخلق حالة من الضبابية الاستراتيجية تجعل من الصعب تحديد “الخط الأحمر” الحقيقي.

من التصعيد التكتيكي إلى إعادة تشكيل قواعد الاشتباك
أكدت الشافعي أن أخطر ما في هذه التطورات هو أنها تدفع المنطقة نحو نموذج “الصراع الرمادي الممتد”، حيث تختلط فيه أدوات الحرب التقليدية بوسائل غير مباشرة، دون الوصول إلى إعلان حرب صريح، وهذا النموذج يُفقد الأطراف القدرة على الرد الحاسم، لأنه لا يقدم هدفًا واضحًا يمكن استهدافه، وفي الوقت ذاته يفرض حالة استنزاف مستمر.
وأشارت إلى أن تكرار الضربات يعكس محاولة لفرض “معادلة ردع عكسية”، بحيث يصبح الامتناع عن التصعيد الشامل ليس خيارًا استراتيجيًا نابعًا من قوة، بل نتيجة لقيود مفروضة بفعل تعقيد المشهد وتعدد أطرافه.

هل نحن أمام لحظة كسر استراتيجي؟
وأكدت نهال الشافعي أن احتمال تحوّل هذه الضربات إلى شرارة حرب إقليمية واسعة يظل قائمًا، لكن ليس بالمعنى التقليدي للحروب، بل عبر ما يمكن تسميته بـ“الانزلاق التراكمي”، حيث لا تقع الحرب بقرار مفاجئ، وإنما نتيجة تراكم سلسلة من الاحتكاكات الصغيرة التي تخرج تدريجيًا عن السيطرة.
وأوضحت الشافعى أن الخطورة الحقيقية تكمن في أن هذا النمط من التصعيد يقلل من فاعلية قنوات التحكم التقليدية، مثل الوساطات أو الضغوط الدولية، لأن الأحداث تتطور بوتيرة أسرع من قدرة الدبلوماسية على احتوائها.

المفاوضات تحت الضغط: من طاولة تسوية إلى ساحة صراع
وفيما يتعلق بمستقبل المفاوضات، أشارت الشافعي إلى أن هذا التصعيد لا يجب فهمه كبديل عن التفاوض، بل كجزء منه، فنحن أمام نموذج “التفاوض تحت النار”، حيث تُستخدم العمليات الميدانية كأداة لإعادة تشكيل شروط التفاوض قبل الجلوس إلى الطاولة.
وأضافت الباحثة السياسية أن بعض الأطراف تسعى إلى نقل المفاوضات من كونها عملية دبلوماسية قائمة على التنازلات المتبادلة، إلى عملية “فرض وقائع”، بحيث يصبح الاتفاق النهائي انعكاسًا لموازين القوة التي تم ترسيخها ميدانيًا، وليس نتيجة تفاوض متكافئ.
لكنها حذرت من أن هذا المسار يحمل مخاطر مزدوجة؛ فمن ناحية، قد يدفع الأطراف إلى التشدد ورفع سقف المطالب، ومن ناحية أخرى، قد يؤدي إلى إضعاف الثقة في جدوى التفاوض نفسه، ما يفتح الباب أمام دورات تصعيد أطول وأكثر حدة.

إعادة تعريف الأمن الإقليمي
واختتمت الشافعي تحليلها بالتأكيد على أن ما نشهده حاليًا يمثل لحظة مفصلية في إعادة تعريف مفهوم الأمن في المنطقة، حيث لم يعد الاستقرار يُقاس بغياب الحرب، بل بقدرة الدول على امتصاص الضربات دون انهيار ثقة الأسواق أو اضطراب الداخل.
وأضافت الشافعى:“المعضلة الأساسية أن المنطقة لم تعد تقف على حافة حرب تقليدية، بل داخل حالة سيولة استراتيجية، حيث تتداخل أدوات الردع مع أدوات الضغط، ويصبح التصعيد نفسه جزءًا من عملية التفاوض.
وفي مثل هذا السياق، قالت الخبيرة السياسية: “لا يكون السؤال: هل ستندلع الحرب؟ بل: متى وكيف يمكن أن تفقد الأطراف السيطرة على هذا التوازن”.



