في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع الذي فرضته المواجهة الراهنة بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط، تتجه أنظار العالم نحو بؤر التوتر الأكثر سخونة، حيث تتصدر الحسابات العسكرية والاستراتيجية المشهد، وتتصاعد رهانات النفوذ والردع وبينما تتزاحم العناوين المرتبطة بالصراع الدائر وتداعياته على أمن الطاقة والممرات الحيوية، تتراجع غزة تدريجيا إلى هامش الاهتمام الدولي، رغم أنها لم تغادر يوما دائرة الخطر، ولم تتوقف معاناة سكانها عند حدود وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ قبل أشهر، هذا التراجع لا يعكس حلا بقدر ما يكشف عن إعادة ترتيب للأولويات في نظام دولي يدار وفق منطق “الأزمات المتتابعة”، حيث ترحل القضايا دون أن تحل.
غزة اليوم تعيش وضعا مركبا لا يمكن توصيفه بدقة ضمن ثنائية الحرب أو السلام؛ فهي منطقة معلقة بين هدنة هشة وواقع إنساني متدهور، حيث لم تكتمل عملية إعادة الإعمار، ولم ترفع القيود الاقتصادية بشكل يسمح بعودة الحياة إلى طبيعتها بل إن القطاع يواجه حالة من “الإدارة البطيئة للأزمة”، التي تبقيه في حالة إنهاك دائم دون انفجار شامل، وهو نمط بات مألوفا في إدارة الصراعات الممتدة وفي ظل انشغال الأطراف الدولية والإقليمية بجبهات أخرى، يتسع هامش الحركة أمام الاحتلال الإسرائيلي لفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر تشديد الحصار غير المباشر، أو من خلال تكريس الفصل الجغرافي والسياسي بين غزة وبقية الأراضي الفلسطينية.
هذا التحول لا يمكن فصله عن طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية التي تعتمد على استثمار اللحظة الإقليمية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب دون الدخول في تسويات نهائية فبينما تتجه الأنظار إلى صراعات أكثر تعقيدا من حيث التوازنات الدولية، تجد إسرائيل مساحة أوسع لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني، ليس فقط في غزة، بل أيضا في الضفة الغربية والقدس، حيث تتسارع وتيرة الإجراءات التي تقوض فرص الحل السياسي التقليدي، وعلى رأسه حل الدولتين، وهنا يصبح “تجميد” غزة جزءا من معادلة أوسع تهدف إلى إدارة الصراع بدلا من حله، بما يضمن بقاء السيطرة دون تحمل كلفة التسوية.
في المقابل، يفرض الواقع الإنساني في غزة نفسه كعامل ضغط مؤجل، إذ لا يمكن تجاهل أن استمرار الأوضاع الحالية يحمل في طياته بذور انفجار جديد، المجتمعات التي تعيش تحت ضغط اقتصادي ومعيشي حاد، وضمن أفق سياسي مغلق، تكون أكثر عرضة للانفجار في أي لحظة، وهو ما يجعل حالة “اللاحرب واللاسلم” في القطاع وضعا غير مستدام على المدى المتوسط، ومع تراجع الزخم الدولي الداعم للقضية الفلسطينية، تزداد خطورة هذا الوضع، إذ يتراجع الاهتمام بتمويل إعادة الإعمار، وتتآكل فرص إطلاق مسار سياسي جاد.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الدور المصري كعامل توازن رئيسي في إدارة هذا الملف المعقد، فقد لعبت مصر دورا محوريا في تثبيت وقف إطلاق النار، واحتواء تداعيات التصعيد، والحفاظ على قنوات الاتصال بين مختلف الأطراف إلا أن تعقيدات المشهد الحالي، خاصة مع اتساع رقعة التوتر الإقليمي، تفرض تحديات إضافية على هذا الدور، حيث يصبح الحفاظ على استقرار غزة جزءا من معادلة أمن إقليمي أشمل، يرتبط بأمن الحدود، واستقرار الممرات المائية، ومنع انتقال التوترات إلى ساحات جديدة.
إن قراءة المشهد الحالي تكشف بوضوح أن ما يحدث ليس مجرد تراجع مؤقت للاهتمام بغزة، بل هو انعكاس لتحول أعمق في أولويات النظام الدولي، حيث تدار الأزمات وفق منطق “الأكثر إلحاحا” وليس “الأكثر عدالة” غير أن هذا المنطق يحمل في داخله مفارقة خطيرة، إذ إن تجاهل جذور الصراع، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يؤسس لموجات جديدة من عدم الاستقرار، فغزة، بما تمثله من ثقل إنساني وسياسي، تظل أحد مفاتيح التوازن في المنطقة، وأي محاولة لتجاوزها أو تهميشها لن تنتج سوى مزيد من التعقيد.
من هنا، يصبح من الضروري إعادة إدراج الملف الفلسطيني، وفي قلبه غزة، ضمن أولويات التحرك الدولي والإقليمي، ليس فقط من منظور إنساني، بل باعتباره ضرورة استراتيجية لاستقرار الشرق الأوسط، ويتطلب ذلك تحركا متعدد المستويات، يبدأ بالضغط لرفع القيود عن القطاع، وتسريع وتيرة إعادة الإعمار، ويمتد إلى إعادة إحياء مسار سياسي جاد يفضي إلى تسوية عادلة وشاملة كما يظل التنسيق العربي عاملا حاسما في هذا الإطار، بما يعزز القدرة على التأثير في موازين التفاوض، ويمنع تهميش القضية في خضم الصراعات الكبرى.
في النهاية، تظل غزة اختبارا حقيقيا لقدرة المجتمع الدولي على التوفيق بين المصالح والقيم، وبين الحسابات الاستراتيجية والاعتبارات الإنسانية، فبينما تتغير أولويات القوى الكبرى تبعا لمصالحها، تبقى معاناة الشعوب ثابتة لا تتغير، وهو ما يفرض مسؤولية أخلاقية وسياسية لا يمكن تجاهلها.
إن استقرار المنطقة لن يتحقق عبر إدارة الأزمات بشكل متتابع، بل من خلال معالجة جذورها، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، وغزة، بكل ما تمثله من رمزية ومعاناة، ستظل حاضرة في قلب هذا المعادلة، مهما حاولت الحروب الأخرى أن تدفعها إلى الظل.