رندة خالد: مصر ترسم خطوطًا حاكمة في التعامل مع أزمات أفريقيا |خاص
أكدت الدكتورة رندة خالد، الباحثة المتخصصة في الشأن الإفريقي، أن التحركات المصرية الأخيرة تعكس انتقال القاهرة من موقع “المتابع القلق” إلى دور أكثر فاعلية يقوم على ترسيخ ما وصفته بـ“الخطوط الحاكمة” في التعامل مع الأزمات الإقليمية، وعلى رأسها الأزمة السودانية وملف مياه النيل وتأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رفض أي كيانات موازية داخل السودان يمثل رسالة واضحة لقطع الطريق أمام سيناريوهات التفكك، على غرار ما شهدته بعض الدول مثل ليبيا والصومال، مشيرة إلى أن هذا الموقف يحمل دلالات سياسية قوية موجهة إلى قوى إقليمية قد تسعى لإدارة الصراع عبر وكلاء أو فرض واقع جديد قائم على تقسيم النفوذ.
وأضافت خالد في تصريحات خاصة لـ"نيوز رووم" أن استقرار العاصمة السودانية الخرطوم لا يمكن فصله عن استقرار مصر ودول حوض النيل، معتبرة أن الملف السوداني جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري، وليس قضية منفصلة يمكن التعامل معها بمعزل عن باقي الملفات الإقليمية.
إنذارًا دبلوماسيًا صريحًا إلى الحكومة الإثيوبية
وفيما يتعلق بملف المياه، شددت الباحثة على أن تصريحات القيادة السياسية بشأن اعتبار المياه مسألة وجودية تمثل “إنذارًا دبلوماسيًا صريحًا” إلى الحكومة الإثيوبية، برفض أي إدارة أحادية لسد النهضة، مؤكدة أن القاهرة تسعى لإعادة طرح القضية على الساحة الدولية، خاصة أمام الولايات المتحدة، باعتبارها قضية أمن إنساني تخص أكثر من 100 مليون مواطن، وليس مجرد خلاف فني.
وأشارت إلى أن مصر تعمل على تثبيت مبدأ “عدم إحداث ضرر جسيم” كأساس لأي اتفاق قانوني ملزم بشأن إدارة السد، بما يضمن الحفاظ على الحقوق المائية للدول المتضررة.
وحول الموقف الأمريكي، أوضحت أن واشنطن تميل إلى إبقاء الملف في إطار تفاوضي مفتوح دون فرض حلول قسرية، في محاولة لتحقيق توازن بين مصالحها مع إثيوبيا كشريك إقليمي مهم، ومصر باعتبارها حليفًا استراتيجيًا، لافتة إلى أنه لا توجد مؤشرات على اختراق قريب في مسار الأزمة، مع استمرار سياسة “الاحتواء”.
وبشأن احتمالات عودة الرئيس دونالد ترامب إلى المشهد وتأثير ذلك على الملف، رجحت الباحثة سيناريو “الدبلوماسية الضاغطة”، عبر إعادة طرح اتفاقات سريعة بآليات تنفيذ أكثر وضوحًا، إلى جانب استخدام أدوات اقتصادية ومؤسسية للضغط على إثيوبيا، لكنها أكدت أن نجاح هذه المقاربة يظل مرهونًا بحسابات أوسع في منطقة القرن الإفريقي.
التحركات المصرية ترسم ثلاث رسائل متوازية
وفيما يتعلق بالأزمة السودانية، حذرت من أن إضعاف الدولة السودانية قد ينعكس سلبًا على الموقف التفاوضي لدول المصب، ويؤدي إلى تفكك الجبهة المشتركة، فضلًا عن خلق فراغات نفوذ قد تستفيد منها أطراف إقليمية، من بينها إثيوبيا، مؤكدة في الوقت نفسه أن الحديث عن دور مباشر لأديس أبابا في تأجيج الصراع لا يزال في إطار التقديرات غير المحسومة.
وتطرقت إلى جهود الدولة المصرية في مجال تحلية المياه، موضحة أنها تمثل سياسة تأمينية مهمة تهدف إلى تقليل الاعتماد الكامل على نهر النيل، وتعزيز الأمن المائي، خاصة في المدن الساحلية والمشروعات الصناعية، لكنها شددت على أن التحلية لا يمكن أن تكون بديلًا للنهر، نظرًا لارتفاع تكلفتها وحجم الطلب الكبير على المياه، مشددًة على أن التحركات المصرية الحالية ترسم ثلاث رسائل متوازية: الحفاظ على السودان الموحد باعتباره خط دفاع أول، والتأكيد على أن مياه النيل تمثل خطًا أحمر وجوديًا، إلى جانب تبني سياسة متوازنة تجمع بين التحرك الدبلوماسي وتعزيز أدوات الأمن المائي داخليًا.