إن هناك انفصالًا وانفصامًا كبيرًا بين الواقع والمأمول في إتقان العمل، فنجد أن الفرد يعمل بجد وإخلاص وجودة وإتقان إذا كان العمل لنفسه، أما إن كان العمل لصالح شركة أو مؤسسة أو مرفق من المرافق العامة ذات النفع العام، فإنه لا يبالي بعمله، ويكون شغله الشاغل هو التوقيع في دفاتر الحضور والانصراف أو (البصمة)، ولا يعبأ بعد ذلك بجودة عمله أو إتقانه، أو حتى بقيام المجتمع أو سقوطه، وهذه علامة من علامات الفشل والتخلف عن ركب الحضارة.
فالضرورة الشرعية تحتم علينا أن نمتثل لتعليمات السماء في قوله تعالى:
﴿صنع الله الذي أتقن كل شيء صنعه إنه خبير بما تفعلون﴾،
كما أوجب علينا الإحسان في العمل: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾،
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه).
فالإتقان هو لب العمل وروح مجهود العامل والصانع، وإذا انتفى الإتقان وبقي من العمل القشور كان المجهود المبذول هباءً منثورًا، قال تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا﴾.
والإتقان من ثمرات الاعتماد على النفس، ومن لوازم حياة الضمير في العمل، ودواعي التأنّي فيه، والعلم بظواهره وخفاياه. والناس في تقييمهم للعمل المنتج لا ينظرون إلى المدى الزمني الذي استغرقه العمل، وإنما ينظرون إلى جودة الصنعة، وبذلك يحكمون على الصانع إما له أو عليه، فإما أن يخلعوا عليه حلل الفخار أو يصفوه بسمات الذل والصغار والعار.
ومن الأمانة إنجاز العمل في موعده، لأنه صورة من صور الوفاء بالعهد، قال تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولًا﴾، ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾.
والعمل واجب مجتمعي وحتمية وطنية، فكما أن الأمانة وجودة العمل وصنعته ضرورة شرعية، فهي كذلك ضرورة وطنية، فإن حب الوطن ورقيه يتطلبان من كل فرد الأمانة والإحسان والرغبة الأكيدة في جودة العمل والتميز فيه، فلا تكونوا إمّعة، إن أحسن الناس أحسنتم، وإن أساؤوا أسأتم، ولكن وطنوا أنفسكم: إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا ألا تسيئوا.
ويكفينا شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له).
ولقد كانت الأمة مزدهرة بعلومها في كافة مناحي الحياة، وكانت في الصدارة حين كانت الأمم ترزح في ظلام الجهل والتخلف. فأمة الإسلام تمرض ولكن لا تموت، وقادرة بفضل الله ثم بسواعد أبنائها المخلصين أن تقود العالم في الصناعة والزراعة وفي كل مناحي الحياة، وقادرة على التحدي ومؤهلة للعودة إلى سالف مجدها، ولديها مقومات النجاح.
حمى الله مصر قيادةً وشعبًا.