خارطة طريق المليار يورو.. كيف يجني الاقتصاد المصري ثمار زيارة ماكرون؟
تمثل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى القاهرة في مايو 2026 نقطة تحول اقتصادية مهمة في مسار العلاقات بين البلدين، حيث تتجاوز الزيارة بعدها السياسي لتتحول إلى منصة لإطلاق حزمة توسعات استثمارية وتجارية تمتد حتى 2030، بما ينعكس مباشرة على مؤشرات الاقتصاد المصري من حيث النمو، الاستثمار، وسوق العمل.
على مستوى الاستثمارات، تشير بيانات الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة إلى أن حجم الاستثمارات الفرنسية في مصر تجاوز 5 مليارات يورو موزعة على قطاعات النقل والطاقة والصناعة والخدمات المالية. ومع توقيع نحو 12 اتفاقية جديدة متوقعة خلال الزيارة، من المرجح دخول استثمارات إضافية تتراوح بين 1 و1.5 مليار يورو خلال السنوات الأولى من التنفيذ، خاصة في مشروعات الطاقة المتجددة والنقل الذكي.
حجم التبادل التجاري بين مصر وفرنسا
في السياق ذاته، تظهر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن حجم التبادل التجاري بين مصر وفرنسا ارتفع من 2.5 مليار دولار في 2023 إلى 2.9 مليار دولار في 2024، مع توقعات بتجاوزه 3.5 مليار دولار بنهاية 2026، مدفوعاً بزيادة صادرات مصر من الأسمدة والوقود والمنتجات الزراعية، مقابل واردات استراتيجية من المعدات الطبية والصناعات الهندسية الفرنسية.
يعد قطاع الطاقة أحد أبرز المستفيدين اقتصادياً من الزيارة، خصوصاً مع توسع مشروع الهيدروجين الأخضر في رأس شقير، الذي تصل استثماراته إلى نحو 7 مليارات يورو. وتشير تقديرات وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة المصرية إلى أن المشروع عند اكتماله قد يدر عوائد تصديرية تتجاوز 3 إلى 5 مليارات دولار سنوياً، مع وضع مصر ضمن أكبر 10 دول مصدرة للهيدروجين الأخضر عالمياً.
تعزيز تمويل البنية التحتية
كما تسهم الشراكة مع فرنسا في تعزيز تمويل البنية التحتية عبر مؤسسات مثل الوكالة الفرنسية للتنمية، التي ضخت تمويلات ميسرة بنحو 262.2 مليون يورو خلال 2025 فقط، موجهة لمشروعات النقل والإسكان والطاقة، ما يقلل الضغط على الموازنة العامة ويخفض تكلفة الاقتراض الخارجي.
في قطاع النقل، يمثل التعاون مع فرنسا ركيزة أساسية في تطوير منظومة المترو والسكك الحديدية. وتشير تقديرات وزارة النقل المصرية إلى أن مشروعات مثل الخط السادس لمترو القاهرة يمكن أن تخفض تكاليف النقل واللوجستيات بنسبة تتراوح بين 10% و15%، وهو ما يرفع من تنافسية الصادرات المصرية ويخفض تكلفة الإنتاج الصناعي.
على صعيد سوق العمل، من المتوقع أن تسهم الاتفاقيات الجديدة في خلق ما بين 50 إلى 80 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، خاصة في القطاعات كثيفة العمالة مثل الطاقة والبنية التحتية والتصنيع، وهو ما يعزز أهداف الدولة في خفض معدلات البطالة وزيادة مشاركة القطاع الخاص.
الشراكة التعليمية
كما تلعب الشراكة التعليمية دوراً اقتصادياً غير مباشر، عبر برامج منح تصل إلى 100 منحة دكتوراه في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والعلوم الصحية حتى 2030، بما يساهم في بناء قاعدة بشرية مؤهلة لتوطين التكنولوجيا وتقليل الاعتماد على الاستيراد المعرفي، وهو أحد أبرز أهداف التحول الاقتصادي المصري.
في المقابل، تعزز الزيارة ثقة المستثمرين الدوليين في الاقتصاد المصري، خاصة في ظل إشادة مؤسسات مالية مثل صندوق النقد الدولي ببرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري واستقراره النسبي بعد صدمات 2023-2024، ما ينعكس على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر واستقرار سوق الصرف.
كما تمتد المكاسب إلى قطاع السياحة، حيث تسهم الشراكة مع فرنسا في الترويج لمصر كوجهة آمنة، وهو ما يدعم قطاعاً سجل بالفعل إيرادات تقارب 10.2 مليار دولار، مع توقعات بنمو إضافي مدفوع بتحسن الصورة الذهنية الدولية.
في المحصلة، يمكن اعتبار زيارة ماكرون للقاهرة بمثابة "حزمة اقتصادية متكاملة" تدفع نحو تعزيز النمو عبر ثلاثة محاور رئيسية: زيادة الاستثمارات، توسيع التجارة، وتطوير البنية التحتية، إلى جانب دعم الطاقة النظيفة وتوطين التكنولوجيا، وهو ما يجعل الاقتصاد المصري أحد أبرز المستفيدين المباشرين من هذه الشراكة الممتدة حتى نهاية العقد الحالي.