عاجل

 


في كرة القدم، خصوصًا داخل الأندية الكبرى ذات الجماهيرية الطاغية مثل النادي الأهلي، لا يوجد ما يمكن تسميته بالحياد الكامل وقت الأزمات. فإما أن تُحمَّل المسؤولية لشخص واحد، أو يتم تبسيط المشهد بالكامل في صورة “بطل” و”مُدان”، رغم أن الواقع دائمًا يكون أكثر تعقيدًا وتشابكًا من ذلك بكثير. ومع الحالة التي يمر بها الأهلي هذا الموسم، من تراجع واضح في النتائج، وخروج من بطولة إفريقيا، وتذبذب في الأداء داخل الدوري، وصولًا إلى الخسارة الثقيلة أمام بيراميدز بثلاثية نظيفة، عاد اسم محمود الخطيب إلى دائرة الجدل من جديد: هل هو المسؤول الأول عما يحدث؟ أم أنه يُظلم في طريقة قراءة دوره داخل المنظومة؟


الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن اختزال أزمة فريق بحجم الأهلي في شخص رئيس النادي فقط هو قراءة غير دقيقة للواقع، لأن الأهلي ليس فريقًا يُدار بقرار فردي أو مزاج إداري، بل مؤسسة رياضية ضخمة تتداخل فيها مستويات متعددة من المسؤولية، تبدأ من الإدارة العليا، مرورًا بالجهاز الفني، وصولًا إلى اللاعبين داخل الملعب، بالإضافة إلى عوامل خارجية مثل ضغط المباريات، والتحكيم، وحالة الإرهاق والتراكمات الفنية. وبالتالي فإن تحميل الخطيب وحده مسؤولية موسم كامل، بكل تفاصيله السلبية، يُعد تبسيطًا شديدًا لمشهد معقد لا يمكن فصله بهذه السهولة.


من زاوية الإنصاف، وبعيدًا عن الانفعال الجماهيري أو قراءة النتائج فقط، يمكن القول إن إدارة الأهلي هذا الموسم لم تكن غائبة عن الدعم أو التحرك. بل على العكس، قامت الإدارة بخطوات واضحة على مستوى تدعيم الفريق بصفقات قوية ومؤثرة مثل تريزيجيه، زيزو، وبن رمضان، وهي أسماء كبيرة تعكس بوضوح وجود رغبة حقيقية في الحفاظ على جودة الفريق وتجديد دمائه بعناصر قادرة على صناعة الفارق في المستقبل القريب. هذه التعاقدات لم تكن مجرد رد فعل مؤقت، بل تعكس رؤية تهدف للحفاظ على الأهلي في موقعه الطبيعي كمنافس دائم على البطولات، رغم كل الضغوط التي تحيط به.

كما أن اختيارات اللاعبين أو الاستغناء عن بعض العناصر، فإن هذه القرارات تقع في الأساس ضمن مسؤوليات الجهاز الفني، باعتباره الطرف المباشر المسؤول عن التقييم الفني داخل الفريق، وليس الإدارة التي تضع الإطار العام لكنها فقط توفر الدعم.


وفي الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن بعض الملفات الإدارية والفنية أثارت جدلًا واسعًا، وعلى رأسها ملف المدير الفني الدنماركي توروب، ليس فقط من ناحية الأداء داخل الملعب، ولكن أيضًا بسبب تفاصيل العقد نفسه، الذي تضمن شرطًا جزائيًا ضخمًا يصل إلى 6 ملايين يورو في حال الإقالة، وهو رقم يضع أي إدارة في موقف شديد التعقيد عند اتخاذ قرار التغيير.
هذه النوعية من العقود تُظهر أن الأزمة ليست في “اختيار الاسم” فقط، بل في “إدارة القرار” بكل تفاصيله التعاقدية والمالية، وهو ملف معقد لا يمكن اختزاله في شخص واحد أو قرار منفرد.
كما ان اختيار المدرب نفسه لا يمكن الحكم عليه بشكل نهائي بأنه خطأ، لأن تاريخ الأهلي يؤكد دائمًا أنه قادر على صناعة المدربين ومنحهم النجاح داخل المنظومة، وليس العكس وتجربة فايلر خير مثال، حيث قوبل في البداية برفض واسع، قبل أن يحقق نجاحًا واضحًا مع الفريق .

 

أما على مستوى الأداء داخل الملعب، فهنا يجب التوقف قليلًا لأن الصورة لا يمكن أن تُقرأ من زاوية واحدة. الفريق هذا الموسم يعاني بوضوح من تذبذب في المستوى، وغياب للثبات الفني، وتراجع في القدرة على حسم المباريات الصعبة، بالإضافة إلى خسائر مؤثرة مثل مباراة بيراميدز الأخيرة التي انتهت بثلاثية نظيفة، وهي نتيجة لا تعكس فقط خللًا فنيًا، بل تعكس أيضًا حالة فقدان توازن داخل الفريق في لحظات مهمة. لكن رغم ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل هذا كله مسؤولية الإدارة؟ أم أن هناك أطرافًا أخرى داخل المنظومة تتحمل النصيب الأكبر؟
هنا تحديدًا يظهر دور اللاعبين بشكل واضح جدًا، لأن الفريق داخل الملعب لا يؤدي بالاسم أو التاريخ، بل بالأداء والروح والانضباط. وما يمكن ملاحظته بوضوح هذا الموسم هو غياب النسق المعروف عن الأهلي، سواء من حيث الحماس أو الضغط أو الشخصية داخل المباريات. الأهلي تاريخيًا لم يكن مجرد فريق مهاري، بل كان فريق “شخصية” بالأساس، قادر على العودة في أي لحظة، وقادر على فرض سيطرته حتى في أصعب الظروف. لكن هذا الموسم، ظهرت مباريات عديدة افتقد فيها الفريق لهذه الروح، وظهر فيها تراجع في رد الفعل داخل الملعب، وهو ما لا يمكن تجاهله عند تقييم الصورة الكاملة.

كما أن بعض المباريات شهدت قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، أثرت بشكل مباشر على مجريات اللعب، سواء في إلغاء أهداف أو عدم احتساب ركلات جزاء، وهو عامل إضافي ساهم في زيادة تعقيد المشهد، لكنه لا يمكن أن يكون شماعة كاملة لتفسير كل شيء، بل هو جزء من سلسلة عوامل متداخلة.


و عندما نحاول الإجابة عن السؤال الأساسي: هل الخطيب ظالم أم مظلوم؟ فإن الإجابة الأقرب للواقع هي أنه في موقع قيادة داخل منظومة تتعرض لضغط هائل، وتواجه موسمًا صعبًا على كل المستويات. هو ليس المسؤول الوحيد عن التراجع، كما أنه ليس خارج دائرة المسؤولية تمامًا، لكنه بالتأكيد ليس “سبب الأزمة” كما يُصوَّر أحيانًا في لحظات الغضب الجماهيري.

الإنصاف الحقيقي هنا يقول إن محمود الخطيب يُحمَّل فوق طاقته في كثير من الأحيان، لأن الجمهور يميل دائمًا إلى تبسيط الصورة وربط النتائج باسم واحد، بينما الواقع داخل الأهلي أكثر تعقيدًا بكثير. الإدارة تدعم، الجهاز الفني يحاول، واللاعبون عليهم مسؤولية مباشرة، والظروف المحيطة تزيد المشهد صعوبة. وبالتالي فإن الأزمة ليست في فرد، بل في منظومة كاملة تحتاج مراجعة شاملة.

وفي النهاية، وبكل قراءة هادئة وموضوعية للمشهد بعيدًا عن الانفعال وردود الفعل اللحظية، فإن محمود الخطيب مظلوم بشكل واضح في تقييم ما يحدث داخل النادي الأهلي هذا الموسم. فتحميله مسؤولية موسم كامل بكل تفاصيله من تراجع نتائج، وخروج من إفريقيا، وخسارة مباريات كبيرة، هو تجاهل لحقيقة أن كرة القدم منظومة كاملة لا يتحكم فيها شخص واحد، مهما كان موقعه. والخطيب منذ توليه المسؤولية وهو يتحامل على نفسه من أجل مصلحة الأهلي، حيث تولى القيادة في وقت عصيب للغاية على المستويين الإداري والرياضي، لكنه رغم ذلك نجح في الحفاظ على استقرار النادي، وحقق خلال فترته إنجازات وبطولات لا تعد ولا تحصى، وأبقى الأهلي دائمًا في موقع المنافسة والبطولات. كما أنه لم يتوقف عن دعم الفريق، ولم يتأخر في تدعيمه بصفقات قوية، ولم يتخلَّ عن فكرة بناء فريق قادر على الاستمرار في القمة، لكن الواقع داخل الملعب تحكمت فيه عوامل كثيرة لا علاقة لها بالقرار الإداري المباشر، سواء من أداء اللاعبين أو الأخطاء الفردية أو حتى ظروف المباريات. والأهم أن تاريخ الأهلي نفسه يقول إن مثل هذه المواسم الصعبة لا تكون نهاية، بل غالبًا ما تكون بداية لعودة أقوى وأشد. لذلك فإن الحكم العادل الوحيد في هذه المرحلة هو أن الخطيب مظلوم في النقد الموجه له، لأن الصورة الحقيقية لا تخص شخصًا واحدًا، بل تخص منظومة كاملة مرت بمرحلة اهتزاز. وفي كل مرة يمر فيها الأهلي بمثل هذا الوضع، تكون النتيجة واحدة في النهاية: يعود الأهلي… أقوى مما كان.

تم نسخ الرابط