عاجل


 

في لحظة سياسية دقيقة، تبدو محاولة اغتيال الرئيس الامريكي دونالد ترامب  - بغض النظر عن ملابساتها – كعامل قد يعيد تشكيل سلوك الرجل في المرحلة المقبلة، خصوصًا في ما يتعلق بإدارته للصراع مع إيران فالتجارب السياسية تشير إلى أن القادة الذين ينجون من تهديد مباشر لحياتهم يميلون إلى تبني مقاربات أكثر حدة، ليس فقط بدافع الردع، بل أيضًا لإعادة ترسيخ صورة القوة والهيبة أمام الداخل والخارج.
من المتوقع أن يتجه ترامب إلى تعزيز نهج “الحسم السريع” في التعامل مع الخصوم، وهو نهج يقوم على تقليل مساحة المناورة الدبلوماسية لصالح أدوات الضغط المباشر. هذا قد يترجم إلى إعادة إحياء سياسة الضغط الأقصى بصيغة أكثر صرامة، سواء عبر توسيع نطاق العقوبات الاقتصادية أو فرض قيود إضافية على التعاملات المالية المرتبطة بإيران، مع محاولة سد الثغرات التي استغلتها طهران في السنوات الماضية. في الوقت ذاته، قد يسعى إلى بناء تحالفات أكثر صلابة مع الحلفاء الإقليميين، لكن ليس من منطلق الشراكة التقليدية، بل من زاوية توزيع الأعباء وتحميل الأطراف الأخرى مسؤوليات أكبر في مواجهة النفوذ الإيراني.
على المستوى العسكري، لا يُرجح أن يتجه ترامب إلى حرب شاملة، لكنه قد يفضل نموذج “الضربات المحدودة عالية التأثير”. هذا النموذج يمنحه القدرة على توجيه رسائل قوية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم في مساراتها. ومن المتوقع أن تزداد وتيرة العمليات غير المباشرة، سواء عبر استهدافات دقيقة أو عبر توسيع نطاق العمل الاستخباراتي، وهو ما يعكس قناعة بأن الردع الفعّال لا يتطلب دائمًا حربًا تقليدية بقدر ما يحتاج إلى إظهار القدرة على الوصول والضرب في الوقت المناسب.
في السياق نفسه، قد تتصاعد أهمية الأدوات غير العسكرية في استراتيجية ترامب، مثل الحرب السيبرانية والضغط التكنولوجي، باعتبارها وسائل أقل تكلفة وأكثر مرونة في تحقيق الأهداف. هذا التوجه يسمح له بممارسة ضغط مستمر على إيران دون إثارة ردود فعل دولية حادة، خاصة إذا تم تغليفه بخطاب يتعلق بالأمن القومي أو حماية المصالح الأمريكية.
داخليًا، من المرجح أن يستثمر ترامب الحادثة لتعزيز صورته كقائد مستهدف لكنه صامد، وهو ما قد ينعكس على خطابه السياسي في صورة أكثر حدة تجاه الخصوم الخارجيين. هذا التصعيد في الخطاب قد لا يكون مجرد رد فعل عاطفي، بل جزء من استراتيجية مدروسة لخلق حالة من الالتفاف الشعبي حوله، بما يدعم قراراته الأكثر تشددًا في السياسة الخارجية. وفي هذا الإطار، قد يربط بين أمنه الشخصي وأمن الدولة، بما يمنح أي تحرك ضد إيران بعدًا يتجاوز الحسابات التقليدية إلى اعتبارات تتعلق بالهيبة والسيادة.
من جهة أخرى، قد يدفعه هذا الحدث إلى تقليص الاعتماد على القنوات الدبلوماسية المباشرة، أو على الأقل إعادة صياغتها بشكل أكثر حذرًا. ففكرة التفاوض مع خصم يُنظر إليه – ولو ضمنيًا – كتهديد مباشر، تصبح أقل جاذبية سياسيًا، ما يعني أن أي مسار تفاوضي محتمل قد يخضع لشروط أكثر تشددًا، أو يتم تأجيله لصالح سياسة فرض الوقائع على الأرض.
في المقابل، لا يمكن استبعاد أن يتبنى ترامب نوعًا من “الردع الشخصي”، حيث يصبح أي تهديد له مبررًا لاتخاذ إجراءات استثنائية. هذا المفهوم قد يؤدي إلى توسيع نطاق الردود الأمريكية بحيث لا تقتصر على الأفعال المباشرة، بل تمتد إلى شبكات النفوذ المرتبطة بإيران في المنطقة. وهو ما قد يزيد من حدة التوتر الإقليمي، حتى في غياب مواجهة مباشرة بين الدولتين.
ومع ذلك، سيظل ترامب مقيدًا بحسابات معقدة، أبرزها كلفة التصعيد الشامل، وردود فعل الحلفاء، وتأثير أي مواجهة على الاقتصاد العالمي. لذلك، فإن سلوكه المتوقع قد يجمع بين التشدد في الخطاب، والمرونة في التنفيذ، بحيث يحقق أقصى قدر من الضغط دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى انفجار واسع النطاق.
في المحصلة، تبدو المرحلة المقبلة مرشحة لأن تشهد نسخة أكثر حدة من سياسات ترامب، لكن دون قفز غير محسوب نحو حرب مفتوحة. إنها مرحلة قد تتسم بتكثيف أدوات الضغط، وتوسيع هامش الردع، مع الحفاظ على قدر من التحكم في الإيقاع العام للصراع. وبين التصعيد والانضباط، سيحاول ترامب صياغة معادلة تضمن له الظهور بمظهر القائد القوي، دون أن يدفع ثمن مواجهة لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

تم نسخ الرابط