عاجل



في علم التحليل السياسي الرصين، لا تُقرأ الوقائع بوصفها جزرًا منفصلة، ولا تُفكك الظواهر إلى عناصر مبتورة عن سياقها، بل يُبنى الفهم الحقيقي على الربط  بين المحددات السياسية والاقتصادية والتاريخية، في إطار تفسيري مركب يرفض الاختزال ويقاوم الإغراء السهل للتفسير الأحادي. فالدولة ليست رقمًا في معادلة اقتصادية، ولا مجرد ملف أمني مغلق، وإنما كيان مركب تتحرك قراراته داخل شبكة معقدة من الاعتبارات المتداخلة.
ومن ثم، فإن أي مقاربة جادة تفترض — ابتداءً — تجاوز القراءة الجزئية التي تختزل السلوك السياسي في بعد واحد، سواء كان اقتصاديًا أو أمنيًا، لأن هذا الاختزال لا ينتج تحليلًا، بل يُنتج سردية مبتورة تُضلل أكثر مما تفسر.
وإذا أسقطنا هذه القاعدة المنهجية على الحالة المصرية عام ١٩٩١ قبيل حرب تحرير الكويت، تتكشف لنا صورة مغايرة تمامًا للسرديات السطحية. فقد تحركت مصر آنذاك لمساندة الكويت في لحظة كانت تمر فيها بظروف اقتصادية بالغة التعقيد، ومع ذلك لم تتراجع عن تلبية نداء الواجب العربي، انطلاقًا من إدراك راسخ بأن الأمن القومي المصري لا ينفصل عن أمن محيطه العربي، وعلى رأسه منطقة الخليج. وهو التزام لم يكن ظرفيًا أو دعائيًا، بل تعهدًا استراتيجيًا أعلنته الدولة المصرية مرارًا، مفاده أن أمنها ممتد ومتشابك مع أمن أشقائها، وأن حركتها في هذا الإطار تأتي استجابة لطلب الأشقاء، لا قفزًا فوق إرادتهم.
بهذا المعنى، يصبح من الصعب — بل من غير المنهجي — التعامل مع بعض الطروحات الإعلامية المعاصرة بوصفها تحليلًا سياسيًا بالمعنى العلمي. فحين يغيب الإسناد إلى مصادر موثوقة، وتُستبدل المعايير التحليلية بسرديات انطباعية، فإن ما يُقدَّم لا يرقى إلى مستوى الرأي المؤسس، بل يندرج ضمن أنماط التضليل الإعلامي والبروباجندا السلبية، التي تتغذى على الانتقائية وتعيد إنتاج الواقع بما يخدم غرضًا محددًا.
وفي هذا السياق، تبرز مواقف عماد اديب خلال العامين الماضيين بوصفها نموذجًا لهذا النمط من الخطاب، حيث تتقاطع مع خط هجوم مستمر على الدولة المصرية، في توقيت يتزامن مع تحولات لافتة في شبكة علاقاته الإقليمية، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول الخلفيات والدوافع، لا سيما حين يتكرر نفس النمط من الطرح الذي يُضعف الموقف المصري إقليميًا ويشكك في ثوابته.
غير أن قراءة التاريخ — لا الانطباعات — تكشف أن مصر لم تكن يومًا دولة تتخلى عن نداء الواجب، ولم تشكل أزماتها الاقتصادية قيدًا على حركتها الاستراتيجية حين يتعلق الأمر بأمنها القومي أو بأمن محيطها العربي. فخلال الأزمات المتلاحقة، كان الحضور المصري — سياسيًا ودبلوماسيًا — حاسمًا في رفض الاعتداءات على الأشقاء، والسعي إلى احتواء الصراعات ومنع انزلاقها إلى مسارات أكثر خطورة.
وعند مد الخط على استقامته، تتضح صورة أوسع تتجاوز الأشخاص إلى البنية الكلية للصراع السردي في المنطقة. إذ يمكن قراءة بعض هذه الخطابات باعتبارها جزءًا من محاولة منظمة لتشويه الدور المصري والانتقاص من تأثيره الإقليمي، في ضوء مواقف محددة اتخذتها القاهرة واصطدمت مع توجهات قوى أخرى في الإقليم، وعلى رأسها:
• الرفض الصريح لمخططات التهجير أو ما يُعرف بـ"الوطن البديل" للفلسطينيين، والتمسك بحل الدولة الفلسطينية.
• الانحياز لوحدة الدولة السودانية ورفض سيناريوهات التقسيم وإعادة التفكيك.
• رفض أي وجود إسرائيلي في مضيق باب المندب، باعتباره مساسًا مباشرًا بأمن البحر الأحمر ومعادلاته الاستراتيجية.
هذه المواقف لا تُقرأ بمعزل عن التحولات الكبرى في بنية النظام الدولي، حيث تتآكل الصيغة القديمة للنظام أحادي القطبية، ويجري التأسيس — تدريجيًا — لنظام متعدد الأقطاب، تلعب فيه القوى الإقليمية أدوارًا أكثر استقلالًا، مستندة إلى قدراتها الذاتية في حفظ أمنها الإقليمي دون الارتهان الكامل للقوى العظمى.
و استهداف الدور المصري أو التشكيك فيه لا ينفصل عن هذا السياق الانتقالي، بل يمكن فهمه كجزء من صراع على إعادة توزيع الأدوار والنفوذ في مرحلة ما بعد الهيمنة الأحادية.
إن ما يُطرح تحت لافتة «الرأي» لا يكتسب مشروعيته من مجرد كونه رأيًا، بل من مدى التزامه بالحد الأدنى من المعايير العلمية والمهنية. وعندما يتحول الخطاب إلى أداة للمكايدة السياسية، أو منصة لإعادة إنتاج سرديات تخدم أطماع قوى معادية، فإنه يخرج من دائرة الرأي إلى فضاء التشويش المتعمد، ويصبح التضليل الإعلامي ثقيلَ الوزن، ويمثل خطرًا على الوعي، ما يوجب التحذير منه.

تم نسخ الرابط