الإفتاء : استمرار القيم الأخلاقية بين الزوجين بعد الانفصال واجب شرعي ومجتمعي
أكدت دار الإفتاء المصرية أن انتهاء العلاقة الزوجية بالطلاق أو الخُلع لا يعني انقطاع روابط الاحترام أو سقوط الالتزامات الأخلاقية بين الطرفين، بل يظل الأصل في التعامل بعد الانفصال قائمًا على مراعاة الحقوق والفضائل التي أقرّتها الشريعة الإسلامية، بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون الأسرة من آثار النزاع والخصومة الممتدة.
وأوضحت دار الإفتاء أن الشريعة الإسلامية لم تنظر إلى الطلاق بوصفه نهاية صدامية للعلاقة، وإنما اعتبرته حلا استثنائيًا عند تعذر استمرار الحياة الزوجية، مع وضع ضوابط دقيقة تضمن عدم تحول الانفصال إلى أداة للانتقام أو الإضرار. ومن أبرز هذه الضوابط الالتزام بالمعروف، وعدم الإساءة، والوفاء بالحقوق المالية والأسرية، خاصة ما يتعلق بالنفقة وحضانة الأطفال.
وشددت الدار على أن مفهوم "المعروف" في التعامل بعد الطلاق يشمل كل ما يدخل في إطار الإحسان وكفّ الأذى، وهو ما يجعل العلاقة بعد الانفصال امتدادًا للقيم الأخلاقية لا قطيعة معها، خصوصًا إذا وُجد أبناء يحتاجون إلى بيئة مستقرة نفسيًا وتربويًا بعيدًا عن الصراعات.
وفي سياق التفسير القرآني، يبرز قول الله تعالى: "ولا تنسوا الفضل بينكم"، كقاعدة جامعة تؤسس لثقافة العفو والاعتراف بالجميل حتى في لحظات الانفصال. وقد تناول الإمام محمد متولي الشعراوي هذا المعنى في خواطره القرآنية، موضحًا أن "الفضل" لا يقتصر على العطاء المادي، بل يشمل كل صور الودّ والمعاملة الحسنة التي كانت قائمة بين الزوجين خلال فترة الزواج.
ويرى الشيخ الشعراوي أن هذه الآية تمثل توجيهًا إلهيًا عاليًا يهدف إلى تهذيب النفس الإنسانية، بحيث لا تتحول الخلافات إلى خصومة مدمرة، بل تظل مساحة الودّ السابقة حاضرة في الذاكرة الأخلاقية للإنسان، تمنعه من التجاوز أو الإساءة، وتدفعه إلى التعامل برقيّ حتى في لحظات الفراق.
وأضاف في تفسيره أن استحضار "الفضل" يُعد اختبارًا حقيقيًا لمستوى الإيمان والالتزام بالقيم، إذ إن الإنسان قد يملك حقه القانوني أو الشرعي، لكنه مأمور شرعًا بأن يرتقي فوق دائرة الحق المجرد إلى فضاء الإحسان، وهو ما يجعل العلاقة بعد الطلاق أكثر إنسانية وتوازنًا.
وتؤكد دار الإفتاء في هذا السياق أن الإسلام لا يكتفي بتنظيم الحقوق، بل يرسخ أيضًا منظومة قيمية تحكم السلوك بعد انتهاء العلاقات، بما يضمن عدم تحول الخلافات الأسرية إلى نزاعات ممتدة تؤثر على المجتمع بأكمله، خصوصًا الأطفال الذين يكونون الأكثر تأثرًا بهذه التحولات.
وأشارت دار الإفتاء إلى أن التعامل بين الزوجين بعد الانفصال ينبغي أن يجمع بين الالتزام القانوني بالحقوق، والالتزام الأخلاقي بقيم الرحمة والاحترام، بما يعكس روح الإسلام في حفظ الكرامة الإنسانية حتى في أصعب الظروف، ويحقق مقاصد الشريعة في الاستقرار الاجتماعي ومنع الضرر.