عاجل

بعد ارتفاع أسعار المستلزمات الطبية.. هل تتدخل الدولة بالتسعير الجبري؟

المستلزمات الطبية
المستلزمات الطبية

في ظل الارتفاعات المتتالية في أسعار المستلزمات الطبية، يعود الجدل مجددًا حول جدوى فرض تسعير جبري كأداة لضبط السوق وكبح جماح الزيادات التي أثقلت كاهل المستشفيات والمواطنين على حد سواء، وبين مطالبات بضرورة تدخل الدولة لحماية المنظومة الصحية من تقلبات الأسعار، وتحذيرات من تداعيات قد تؤثر على توافر المستلزمات وسلاسل الإمداد، يظل السؤال مطروحًا: هل يمثل التسعير الجبري حلًا فعّالًا، أم أنه قد يفاقم الأزمة؟.

تحرك برلماني عاجل بشأن المستلزمات الطبية

ومن جانبه تقدم النائب الدكتور أشرف سعد سليمان، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة الشؤون الإفريقية، بطلب إحاطة إلى رئيس المجلس المستشار هشام بدوي، موجّه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة والسكان ورئيس هيئة الدواء المصرية، بشأن استمرار خروج سوق المستلزمات الطبية من أي إطار تسعيري منضبط.

وأوضح النائب أن حجم سوق المستلزمات الطبية في مصر يتراوح بين 120 إلى 150 مليار جنيه سنويًا، يتم استيراد أكثر من 40% منها من الخارج، سواء في صورة منتجات كاملة أو مواد خام، بما يشكل ضغطًا كبيرًا على العملة الصعبة.

المستلزمات الطبية خارج هذه المنظومة

وأشار إلى أنه في الوقت الذي تخضع فيه الأدوية لنظام تسعير جبري ورقابة صارمة وفقًا لاختصاصات هيئة الدواء المصرية، لا تزال المستلزمات الطبية خارج هذه المنظومة، ما يؤدي إلى تفاوتات سعرية قد تتجاوز 50% لنفس المنتج بين جهة وأخرى، فضلًا عن ارتفاع هوامش الربح عبر مراحل التداول المختلفة.

وأكد أن الأمر يزداد تعقيدًا مع ربط الاستيراد بنموذج (4) لتوفير العملة الأجنبية، دون وجود تسعير ملزم يضمن العدالة في تداول هذه المنتجات، رغم أن الدولة تتحمل عبئًا كبيرًا في تدبير النقد الأجنبي، وهو ما يتطلب وجود رقابة سعرية موازية.

وأضاف أن نحو 40% من تكلفة بعض الخدمات الطبية، خاصة العمليات الجراحية وجراحات العظام وقسطرة القلب، ترتبط بالمستلزمات الطبية، ما يفسر ارتفاع تكلفة العلاج على المواطنين، والتي قد تتجاوز في بعض الحالات تكلفة الأدوية نفسها.

امتلاك مصر لمقومات قوية لتوطين هذه الصناعة

ولفت إلى أن نسبة التصنيع المحلي في بعض قطاعات المستلزمات الطبية لا تتجاوز 20% إلى 30%، رغم امتلاك مصر لمقومات قوية لتوطين هذه الصناعة، بما يتيح تغطية الاحتياجات المحلية والتوسع في التصدير لأسواق أفريقيا والشرق الأوسط، وتقليل فاتورة الاستيراد التي تتجاوز مليار دولار سنويًا.

وأشار النائب إلى أن استمرار هذا الوضع يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بقواعد المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، في ظل غياب ضوابط تسعيرية واضحة وآليات رقابية فعالة.

وطالب النائب الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة، تشمل إدراج المستلزمات الطبية ضمن منظومة التسعير الجبري، وتحديد هوامش ربح عادلة، وربط إجراءات الاستيراد بضوابط تسعيرية واضحة، إلى جانب دعم التصنيع المحلي لرفع نسبة المكون المحلي إلى 50%، وفتح أسواق تصديرية، مع تشديد الرقابة لمواجهة أي ممارسات احتكارية.

أسعار المستلزمات الطبية

ومن جانبها أكدت الدكتورة إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، أن فكرة تطبيق “التسعير الجبري” على المستلزمات الطبية بشكل كامل ليست الحل الأمثل لضبط السوق، مشيرة إلى أن الأنسب هو تحديد هامش ربح منضبط يحقق التوازن بين تكلفة الاستيراد وسعر البيع.

وأوضحت سعيد، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن آلية “التكلفة زائد هامش ربح” (Cost Plus) تعد نموذجًا أكثر مرونة، حيث يتم احتساب سعر المنتج وفقًا لتكلفته الفعلية في ضوء سعر الصرف، مضافًا إليه نسبة ربح محددة، بما يضمن عدم المغالاة في الأسعار، وفي الوقت نفسه لا يضر بالموردين.

وأضافت أن هذا النهج يختلف تمامًا عن التسعير الجبري للدواء، الذي يتم تحديد سعره بشكل ثابت بغض النظر عن تغيرات السوق، مؤكدة أن تحديد هامش الربح يوفر مرونة أكبر ويحد من التسعير العشوائي الذي يشهده قطاع المستلزمات الطبية حاليًا.

غياب التصنيع المحلي يعد أحد أبرز أسباب ارتفاع الأسعار

وأشارت عضو لجنة الصحة إلى أن غياب التصنيع المحلي يعد أحد أبرز أسباب ارتفاع الأسعار، حيث يفتح المجال أمام عدد محدود من الموردين للتحكم في السوق، ما يؤدي إلى ممارسات احتكارية ورفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.

وشددت على أهمية تفعيل قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، معتبرة أنه خطوة مهمة لضبط السوق، لكنها غير كافية بمفردها، ما لم تُدعم بإجراءات أخرى، على رأسها التوسع في التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.

إنشاء مخزون استراتيجي من المستلزمات الطبية

كما دعت إلى ضرورة إنشاء مخزون استراتيجي من المستلزمات الطبية والأدوية، لمواجهة أي أزمات طارئة قد تؤثر على سلاسل الإمداد، إلى جانب تعزيز دور هيئة الشراء الموحد في توفير احتياجات السوق من خلال مناقصات كبرى تضمن أفضل الأسعار.

وحذرت سعيد من أن استمرار ارتفاع أسعار المستلزمات الطبية ينعكس بشكل مباشر على تكلفة الخدمات الصحية، سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة، ما يزيد الضغط على الموازنة العامة للدولة، ويحد من قدرة المواطنين على الحصول على العلاج، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الحالية، مؤكدة على أن الحل الحقيقي يكمن في تحقيق توازن بين ضبط الأسعار، وتشجيع الاستثمار في التصنيع المحلي، مع تطبيق القوانين بفاعلية، بما يضمن استقرار السوق وحماية حق المواطن في الحصول على خدمة صحية مناسبة.

زيادة أسعار المواد الخام المرتبطة بالمنتجات البترولية

ومن جانبه قال محمد إسماعيل، رئيس شعبة المستلزمات الطبية، إن الارتفاع الكبير في أسعار المستلزمات الطبية خلال الفترة الأخيرة يرجع إلى مجموعة من العوامل العالمية والمحلية، في مقدمتها زيادة أسعار المواد الخام المرتبطة بالمنتجات البترولية، مثل البولي إيثيلين والبولي بروبيلين، نتيجة تداعيات الحرب وارتفاع أسعار النفط عالميًا.

وأوضح إسماعيل، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن هذه الزيادات لم تقتصر على المستلزمات الطبية فقط، بل طالت كل المنتجات التي تعتمد على هذه الخامات، إلى جانب الارتفاع الكبير في تكاليف الشحن، حيث تضاعفت أسعار نقل الحاويات بشكل ملحوظ، فضلاً عن تأثير تحركات سعر الصرف، والتي ساهمت بدورها في زيادة التكلفة الإجمالية للإنتاج والاستيراد.

وأشار إلى أن الموردين يواجهون ضغوطًا كبيرة في ظل هذه الزيادات، حيث ارتفعت تكلفة بعض المنتجات من نحو 100 جنيه إلى ما يتراوح بين 150 و160 جنيهًا، ما يجعل الاستمرار في التوريد بالأسعار القديمة أمرًا غير قابل للاستدامة.

توريد الكميات المتاحة بالمخازن بالأسعار القديمة

وأضاف إسماعيل أن شعبة المستلزمات الطبية، بالتنسيق مع هيئة الشراء الموحد، عقدت اجتماعًا مع الموردين، تم خلاله الاتفاق على توريد الكميات المتاحة بالمخازن بالأسعار القديمة، دعمًا للمنظومة الصحية، وهو ما تم بالفعل خلال الفترة الماضية.

وأكد رئيس الشعبةأن الموردين قدموا التزامات بتوريد مخزونهم بالكامل، والذي يُقدّر بنحو 2.5 مليار جنيه، بالأسعار القديمة، رغم الخسائر، في إطار المسؤولية الوطنية، مشيرًا إلى أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر طويلًا دون إعادة تسعير.

وأوضح إسماعيل أن الشعبة تقدمت بطلب رسمي لرفع أسعار التوريد بنسبة 35%، باعتبارها متوسط الزيادة الفعلية في التكاليف، نتيجة ارتفاع أسعار الخامات، والشحن، وسعر الصرف، إلى جانب زيادة تكلفة العمالة بعد تطبيق الحد الأدنى للأجور.

ضرورة الإسراع في سداد مستحقات الموردين

وشدد على ضرورة الإسراع في سداد مستحقات الموردين فور التوريد، بدلًا من الانتظار لفترات تصل إلى 90 و120 يومًا، بما يضمن استمرارية تدفق المستلزمات الطبية في السوق.

وفيما يتعلق بمطالب تطبيق التسعير الجبري، أكد إسماعيل أن هذا الطرح “غير مناسب في التوقيت الحالي”، خاصة في ظل نقص المعروض، محذرًا من أن تطبيقه قد يعرض مصر لمخاطر تتعلق بالتزاماتها التجارية الدولية، بما في ذلك احتمال فرض عقوبات أو إغلاق أسواق التصدير.

وأشار إلى أن صناعة المستلزمات الطبية في مصر شهدت تطورًا كبيرًا خلال العقود الماضية، حيث ارتفع عدد المصانع من نحو 10 مصانع قبل عام 1994 إلى أكثر من 300 مصنع حاليًا، مع استثمارات تتجاوز 10 مليارات دولار، وتوفير آلاف فرص العمل، فضلًا عن التصدير لأسواق كبرى مثل الولايات المتحدة واليابان، مؤكدًا على أن دعم هذه الصناعة الحيوية يتطلب سياسات متوازنة تضمن استمرارية الإنتاج، وتوفير المستلزمات بأسعار عادلة، دون الإضرار بالمستثمرين أو المنظومة الصحية.

 

تم نسخ الرابط