بابا الفاتيكان يلتقي السلطات والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي في غينيا
التقى البابا لاون الرابع عشر بابا الفاتيكان، بعد ظهر اليوم الثلاثاء في قصر الرئاسة بمالابو، السلطات وممثلي المجتمع المدني والسلك الدبلوماسي، في أول أيام زيارته الرسولية للبلاد. ووجه بابا الفاتيكان كلمة شاملة تناولت قضايا العدالة الاجتماعية، والسلام، ومسؤولية الحكومات تجاه التنمية البشرية المتكاملة.
البابا يستشهد بالبابا يوحنا بولس الثاني: مسؤولية الحاكم أمام تطلعات الشعب
استهل البابا كلمته بتحية الحضور وشكرهم على الاستقبال، معرباً عن سعادته بزيارة غينيا الاستوائية، وذكّر بحديث البابا القديس يوحنا بولس الثاني خلال زيارته السابقة للبلاد عن الرئيس باعتباره «المركز الرمزي الذي تتلاقى فيه التطلعات الحية للشعب من أجل إرساء أجواء اجتماعية تطبعها حرية حقيقية وعدل واحترام وتعزيز لحقوق كل شخص أو جماعة». وأكد البابا لاون الرابع عشر أن هذه الكلمات لا تزال آنية وتسائل كل من لديه مسؤولية عامة.
«فرح ورجاء»: آلام الفقراء هي آلام الكنيسة
استشهد قداسته بوثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني «فرح ورجاء» التي تؤكد أن آمال البشر وأفراحهم، وأحزانهم وضيقاتهم، خاصة الفقراء والمعذبين، هي آمال الكنيسة وأحزانها.
وأضاف أن هذه الكلمات تعبر عن الأفكار والمشاعر التي حملته إلى غينيا الاستوائية لتثبيت شعبها في الإيمان وتعزيته وسط تحولات سريعة تشهدها البلاد.
أغسطينوس ومدينتا الله والأرض: قرارات الإنسان تحدد انتماءه
تحدث البابا عن رؤية القديس أغسطينوس للمدينتين: مدينة الله الأبدية القائمة على المحبة غير المشروطة ومحبة القريب وخاصة الفقراء، ومدينة الأرض المؤقتة التي يعيش فيها الإنسان حتى الموت. وأوضح أن المدينتين تتواجدان معاً حتى نهاية الأزمنة، وأن كل إنسان يكشف بقراراته اليومية إلى أي مدينة يريد أن ينتمي.
«مدينة السلام»: العاصمة الجديدة تثير تساؤلاً أخلاقياً
أشار قداسته إلى إطلاق غينيا الاستوائية مشروعاً لبناء عاصمة جديدة أطلق عليها اسم «Ciudad de la Paz» أي مدينة السلام، معرباً عن الأمل في أن يسائل هذا الاسم كل ضمير حول المدينة التي يريد خدمتها، في إشارة رمزية إلى أورشليم السماوية التي وصفها الكتاب المقدس.
تحذير من حب الذات والسلطة الدنيوية
ذكّر البابا بما قاله للسلك الدبلوماسي المعتمد لدى الكرسي الرسولي، من أن مدينة الأرض حسب أغسطينوس تركز على حب الذات المتكبر والتطلع إلى السلطة والمجد الدنيويين، ما يؤدي إلى الدمار.
وأكد أن المسيحيين مدعوون للسكن في المدينة الأرضية بقلب وعقل متوجهين نحو المدينة السماوية، وطنهم الحقيقي، مستشهداً برحلة إبراهيم الذي «كان ينتظر المدينة ذات الأسس والله مهندسها وبانيها».
العقيدة الاجتماعية للكنيسة: معايير أخلاقية لا برنامج سياسي
أوضح البابا أن العقيدة الاجتماعية للكنيسة لا تقترح برنامجاً سياسياً، بل تقدم تأملات ثمينة حول الحياة الاجتماعية والسياسية، وتساعد على مواجهة الأمور الجديدة التي تزعزع استقرار الكوكب والتعايش البشري. وشدد على أن رسالة الكنيسة هي الإسهام في تشكيل الضمائر عبر إعلان الإنجيل وتقديم معايير أخلاقية، مع احترام حرية كل فرد واستقلالية الشعوب وحكوماتها.
و توقف البابا عند قضايا تهز الخبرة البشرية، مشيراً إلى أن الإقصاء أصبح الوجه الجديد للظلم الاجتماعي، وأن الفجوة بين أقلية 1% من السكان والأغلبية العظمى اتسعت بشكل مأساوي. وتحدث عن تناقض معاصر يتمثل في غياب الأرض والطعام والسكن والعمل الكريم، مقابل انتشار التقنيات الحديثة والهواتف والذكاء الاصطناعي حتى بين الفقراء.
استغلال الموارد والحروب: لا لاستعمار حقول النفط والمعادن
حذر قداسته من أن التطور التكنولوجي السريع سرّع المضاربة على المواد الأولية، متناسياً حماية الخليقة وحقوق الجماعات المحلية وكرامة العمل والصحة العامة. وتبنى نداء البابا فرنسيس في «فرح الإنجيل»: «اليوم علينا أن نقول لا لاقتصاد إقصاء وتفاوت اجتماعي. إن مثل هذا الاقتصاد يقتل». وأكد أن من أسباب انتشار النزاعات المسلحة استعمار حقول النفط والمعادن دون اكتراث بالقانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
التقنيات الحديثة والحرب: مصير البشرية في خطر
أشار البابا إلى أن التقنيات الحديثة تُفهم وتُستخدم لأسباب حربية في المقام الأول، ضمن مفاهيم لا توحي بنمو الفرص للجميع. وحذر من أنه بدون تغيير في تحمل المسؤولية السياسية واحترام المؤسسات والاتفاقيات الدولية، فإن مصير البشرية مهدد بشكل مأساوي. وشدد على أن اسم الله لا يمكن تدنيسه بالرغبة في الهيمنة والغطرسة والتمييز، ولا يجوز استخدامه لتبرير أفعال موت.
رسالة إلى غينيا الاستوائية: ضعوا أنفسكم في خدمة الحق والعدل
دعا البابا لاون الرابع عشر غينيا الاستوائية إلى دراسة مسارات تنميتها وفرصها الإيجابية لوضع نفسها على الساحة الدولية في خدمة الحق والعدل. وأكد أن هذا بلد شاب، معرباً عن ثقته في أن الكنيسة ستساعد في تكوين ضمائر حرة ومسؤولة للسير نحو المستقبل.
واختتم البابا لاون الرابع عشر بابا الفاتيكان ، كلمته بالتأكيد على أن الشعوب في جوع وعطش للعدل في عالم تجرحه الاستبداد، داعياً إلى تقدير من يؤمن بالسلام ويجرؤ على سياسات ضد التيار محورها الخير العام، مشدداً على الحاجة إلى شجاعة ورؤى جديدة وميثاق تربوي يمنح الشباب فسحة وثقة، وقال إن مدينة الله لا يجب فهمها كعطية من العلى فقط، بل هي وعد وواجب، سكانها «يضربون سيوفهم سككاً ورماحهم مناجل»، وبعد أن يمسحوا كل دمعة، سيشاركون في مائدة لم تعد حكراً على نخبة، «فلنسر معاً بحكمة وصبر نحو مدينة الله التي هي مدينة السلام».