أزمة التشريع وقانون الأحوال الشخصية بين الأرقام والواقع النفسي
في مقالي هذا أشير إلى أهمية حماية الأبناء والأسرة بين النزاع والطلاق ويجب أن نسعى نحو تشريع يضع مصلحة الطفل أولًا
لم تعد قضايا الأسرة شأنًا خاصًا يُناقش داخل جدران المنازل، بل أصبحت واحدة من القضايا الجوهرية التي تمس استقرار المجتمع وأمنه النفسي. فحين نتحدث عن الطفل، فإننا لا نتحدث عن فرد صغير فحسب، بل عن إنسان يتشكل، ومواطن يُبنى، ومستقبل وطن يتحدد.
حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى تسجيل مئات الآلاف من حالات الطلاق سنويًا في مصر، وهو ما يعني بالضرورة أن أعدادًا كبيرة من الأطفال يمرون بتجربة الانفصال الأسري بكل ما تحمله من آثار نفسية واجتماعية ممتدة. وتؤكد تقارير وزارة التضامن الاجتماعي أن نسبة معتبرة من هذه الحالات تشمل أطفالًا، ما يضعنا أمام مسؤولية حقيقية لإعادة النظر في كيفية إدارة هذه المرحلة، وليس فقط التعامل مع نتائجها.
واقولها صريحة إن الطلاق ليس المشكلة… بل إدارة الصراع نفسها
ومن واقع الخبرة الإكلينيكية، يمكن القول إن الطلاق في حد ذاته ليس دائمًا هو العامل الأكثر خطورة على الطفل، بل الطريقة التي يُدار بها الصراع بين الأبوين، سواء قبل الانفصال أو بعده. فالطفل قد يتأقلم مع انفصال هادئ تُحترم فيه حدوده النفسية، لكنه لا يتعافى بسهولة من بيئة مشحونة بالصراخ، أو الإهانة، أو التهديد، أو استخدامه كأداة ضغط.
في هذه البيئات، لا يعيش الطفل حدثًا عابرًا، بل يتعرض لضغط نفسي ممتد قد يترك آثارًا عميقة، من بينها:
* اضطرابات القلق والشعور المستمر بعدم الأمان
* أعراض اكتئابية تظهر في صورة انسحاب أو فقدان الشغف
* تراجع التحصيل الدراسي وضعف التركيز
* سلوكيات عدوانية أو انسحاب اجتماعي
* اضطرابات النوم والكوابيس
وفي بعض الحالات، قد يصل الأمر إلى ما يشبه الصدمة النفسية نتيجة التعرض المستمر لمشاهد النزاع. والأخطر أن هذه التجارب لا تنتهي بانتهاء الأزمة، بل قد تمتد آثارها إلى مستقبل الطفل، فتؤثر على قدرته على بناء علاقات صحية، أو تكوين أسرة مستقرة.
إذن دعونا نتفق على حقيقة أن الأب والأم… نماذج لا يمكن تعويضها
حيث أن كل من الأب والأم يمثل ركيزة أساسية في البناء النفسي للطفل. فالأم هي المصدر الأول للأمان العاطفي والاحتواء، بينما يمثل الأب نموذج الحماية والانضباط وأول صورة للذكورة في حياة الطفل. وبالتالي، فإن أي خلل في هذه المعادلة، أو غياب أحد الطرفين، أو تشويه صورته أمام الطفل، لا يؤثر فقط على علاقته بالطرف الآخر، بل يمتد ليُحدث صراعًا داخليًا في تكوينه النفسي.
فالطفل يرى نفسه امتدادًا لكلا الأبوين، وعندما يُطلب منه بشكل مباشر أو غير مباشر أن يرفض أحدهما، فإنه في الحقيقة يُدفع لرفض جزء من ذاته، وهو ما قد ينعكس لاحقًا في اضطرابات الهوية أو صعوبات في تكوين علاقات متوازنة.
ـ وهنا تأتي أزمة التشريع: بين الأرقام والواقع النفسي
فلا يمكن اختزال قضية معقدة مثل الحضانة في رقم ثابت، سواء كان 7 أو 9 أو حتى 15 عامًا. فمراحل نمو الطفل واحتياجاته النفسية تختلف، وتتغير بمرور الوقت. ففي السنوات الأولى، يكون الاحتياج للأم أكثر ارتباطًا بالأمان والرعاية، بينما يتزايد دور الأب تدريجيًا في مراحل لاحقة، خاصة في بناء الهوية والانضباط.
من هنا، يصبح من الضروري الانتقال من فكرة “السن الثابت” إلى نموذج أكثر مرونة، يراعي الفروق الفردية لكل طفل، ويضع مصلحته النفسية في مقدمة الاعتبارات، مع ضمان استمرارية العلاقة الصحية مع كلا الأبوين.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم:
هل نريد قانونًا يحسم الصراع بين الأب والأم؟
أم نريد قانونًا يحمي الطفل من هذا الصراع؟
الإجابة على هذا السؤال… هي التي ستحدد شكل المجتمع الذي نريد أن نبنيه.
لأن الطفل الذي نحميه اليوم…
هو المواطن الذي سيحمي هذا الوطن غدًا.