عاجل

عرائس تحيي التراث.. كيف تعيد المتاحف صياغة التعليم الثقافي لدمج ذوي الهمم

الدكتورة هبة عبد
الدكتورة هبة عبد العزيز

بمناسبة اليوم العالمي للتراث، تتجدد الدعوات إلى إعادة التفكير في الدور الذي تؤديه المتاحف داخل المجتمع. فلم تعد المتاحف مجرد مؤسسات لحفظ المقتنيات التاريخية وعرضها، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى فضاءات تعليمية وثقافية قادرة على بناء جسور جديدة بين التراث والإنسان، من خلال أساليب تفاعلية تُعيد تقديم المعرفة بشكل أكثر قربًا وتأثيرًا.

وفي هذا الإطار، قالت الدكتورة هبه عبد العزيز  مسئول التربية المتحفية لذوي الاحتياجات الخاصة بقطاع المتاحف: “برزت تجربة تدريبية متميزة نفذتها  التربية المتحفية لذوي الاحتياجات الخاصة بقطاع المتاحف، استهدفت تطوير أدوات تعليمية مبتكرة قادرة على جذب الأطفال والشباب من ذوي الهمم إلى عالم التراث، وتعزيز مشاركتهم الفاعلة داخل الفضاء المتحفي. وقد امتد التدريب لعدة أيام، وشكّل مساحة لتبادل الخبرات والتجريب العملي لوسائل تعليمية تعتمد على التفاعل والمشاركة بدلاً من التلقي التقليدي”.

“ومن بين أبرز الآليات التي اعتمد عليها التدريب العرائس القفازية بوصفها وسيلة تعليمية تجمع بين السرد القصصي والتعبير الحركي والتفاعل البصري، فقد أثبتت هذه الأداة قدرتها على خلق بيئة تعليمية أكثر مرونة ودفئًا، تسمح لأبطالنا من ذوي الهمم بالتفاعل مع المحتوى الثقافي بطريقة طبيعية وممتعة، بعيدًا عن القيود التي قد تفرضها الأساليب التعليمية التقليدية”.

فالعرائس هنا لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت إلى لغة تواصل تعليمية تساعد على تبسيط المفاهيم التراثية وتجسيد الشخصيات التاريخية في صورة حية قريبة من المتلقي. ومن خلال هذا الأسلوب، يصبح الطفل قادرًا على التفاعل مع الحكاية التراثية وتمثيلها والتعبير عنها، مما يعزز قدرته على الفهم والتذكر ويمنحه مساحة أكبر للمشاركة والإبداع.


كما أسهمت هذه التجربة في تعزيز مفهوم الدمج الثقافي داخل المتاحف، حيث أتاحت لأبطالنا من ذوي الهمم فرصة التعرف على التراث بطريقة تفاعلية، والمشاركة في صناعة أدوات العرض التعليمية بأنفسهم. فقد تعلّم المشاركون تقنيات بسيطة لصناعة العرائس القفازية باستخدام خامات متاحة، ليصبحوا جزءًا من التجربة التعليمية لا مجرد متلقين لها.


وتكشف هذه المبادرات عن تحول مهم في فلسفة العمل المتحفي، حيث تسعى المؤسسات المتحفية إلى تطوير برامج تعليمية أكثر شمولًا، تستجيب لاحتياجات مختلف فئات المجتمع، وتؤكد أن الثقافة حق متاح للجميع دون استثناء.
كما تعكس هذه الجهود توجهًا متناميًا نحو ربط العمل الثقافي بأهداف التنمية المستدامة، من خلال تعزيز مبدأ تكافؤ الفرص في الوصول إلى المعرفة، وتمكين الفئات المختلفة من التفاعل مع التراث بوصفه جزءًا من هويتهم المشتركة.
إن ما تقدمه متاحف القطاع اليوم من برامج تعليمية تفاعلية يبرهن على أن المتحف لم يعد مجرد مكان لحفظ الماضي، بل أصبح فضاءً حيًا للتعلم والتجربة والابتكار، حيث يمكن للتراث أن يتحول إلى لغة مشتركة تجمع بين الناس على اختلاف قدراتهم.
وهكذا، في ظل هذه الرؤية المتجددة، تتقدم المتاحف خطوة جديدة نحو المستقبل، لتؤكد أن التراث لا يظل حيًا إلا حين يصبح تجربة إنسانية يعيشها الجميع ويشاركون في اكتشافها وصناعتها. 

تم نسخ الرابط