لم يكن قرار المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، بزيادة عدد الأنشطة الصناعية المسموح بها داخل الأحوزة العمرانية والكتل السكنية من 17 نشاطا إلى 65 نشاطا مجرد تعديل إداري روتيني أو ورقة تضاف إلى سجل القرارات الحكومية بل هو تحول استراتيجي جريئ يعلن نهاية عهد طويل من العزلة بين المدينة والمصنع، ويفتح صفحة جديدة في علاقة التخطيط العمراني بالإنتاج الوطني و يعيد تعريف جذري للعلاقة بين الدولة ورأس المال، وبين فضاء السكن ومكان العمل، وبين صرامة القانون ومرونة الواقع المعاش.
الدول الحديثة، تقاس قوتها بحكمتها في التوفيق الدقيق بين المصلحة العامة والديناميكيات الاقتصادية المتسارعة و يجسد قرار الـ65 نشاطا هذه الحكمة بامتياز حيث كان النموذج التقليدي يعتمد على "المدينة السكنية" المنعزلة، التي تدفع بالصناعة إلى أطراف الخريطة العمرانية، مما يولد تكاليف لوجستية باهظة ويبعد فرص العمل عن السكان أما اليوم، فنحن أمام نموذج "المدينة المنتجة" التي تحتضن الورشة والمصنع الصغير كقلب نابض داخل النسيج الحضري نفسه، بشرط أن يكون النشاط في مبنى منفصل ولا يسبب أضرارا بيئية جسيمة، وهذا ليس مجرد فتح أبواب مغلقة، بل إعادة هندسة شاملة للعلاقة بين العمران والاقتصاد.
يأتي القرار في توقيت استراتيجي بالغ الأهمية، خاصة مع التركيز الحكومي على دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل عصب الاقتصاد المصري وتوفر نسبة كبيرة من فرص العمل وزيادة الأنشطة الصناعية داخل الأحوزة العمرانية يعني اختصار شهور طويلة من الانتظار الإداري والروتين البيروقراطي الذي كان يعيق المستثمرين كما يقلل بشكل ملموس من تكاليف النقل واللوجستيات، ويمكن أصحاب المشروعات الحرفية والصناعية الخفيفة من الاندماج الطبيعي في الحياة اليومية للأحياء السكنية.
نتيجة لذلك، تتحول المدينة من كيان استهلاكي يعتمد على الخدمات إلى كيان منتج يولد قيمة مضافة محلية و هذا التحول ينعكس إيجابا على عدة محاور: زيادة الدخل المحلي من خلال الضرائب والرسوم، وارتفاع معدلات التوظيف بتوفير فرص عمل قريبة من مناطق السكن، وتعزيز سلاسل التوريد الإقليمية والمحلية كما أنه يعطي دفعة قوية لجاذبية البيئة الاستثمارية في مصر، خاصة أمام المستثمرين المحليين الذين يواجهون تحديات في إيجاد مواقع مناسبة داخل المناطق الصناعية المزدحمة أو البعيدة.
ومع ذلك، فإن أي تحول جريء يثير أسئلة مشروعة تستحق إجابات مؤسسية مدروسة وليست انفعالية. هل سيفتح القرار الباب أمام فوضى صناعية عشوائية تهدد السلم البيئي والصحة العامة؟ وهل تمتلك شبكات البنية التحتية الحضرية (الطرق، المياه، الصرف الصحي، والكهرباء) القدرة على استيعاب هذا التدفق الجديد من الأنشطة؟ الإجابة تكمن في طبيعة القرار نفسه، الذي ليس ترخيصا مطلقاً للعشوائية، بل دعوة واضحة لانضباط مؤسسي أعلى مستوى حيث يشترط القرار صراحة إقامة الأنشطة في مبان منفصلة، ويفرض ضوابط بيئية صارمة، ويستند إلى توزيع ذكي يراعي طبيعة كل حي وخصائص كل مشروع لذلك، يصبح نجاح التجربة مرهونا بثلاثة أعمدة أساسية: أولها، شفافية كاملة في الإجراءات مع سرعة البت في طلبات التراخيص؛ وثانيها، تفعيل نظم رقابة ذكية تعتمد على التكنولوجيا والترقيم الإلكتروني؛ وثالثها، إشراك المجتمع المحلي في آليات الرقابة المجتمعية لضمان عدم تحول المرونة إلى فوضى، و بهذه الضوابط، يمكن تحقيق التوازن المطلوب بين متطلبات الإنتاج وجودة الحياة اليومية للسكان.
يعكس هذا المسار تحولا عميقا في فلسفة إدارة العمران والإنتاج في مصر، يقوم على شراكة متوازنة بين الدولة والقطاع الخاص، ويحول البيروقراطية من عائق تاريخي إلى أداة داعمة للاستثمار، كما يتوافق مع الاتجاهات العالمية المعاصرة نحو بناء "المدن المتكاملة" والمناطق المختلطة الاستخدامات، التي تجمع بين السكن والعمل والخدمات في نسيج عمراني واحد يراعي الكفاءة الاقتصادية دون إغفال الاستدامة وجودة الحياة، و في هذا السياق، لم تعد الصناعة تعامل كعبء عمراني يجب نفيه إلى الهوامش، بل أصبحت جزءا أصيلا من تشكيل الهوية الحضرية المعاصرة ومحركا رئيسيا للتنمية المستدامة.
على المستوى الاجتماعي، يمتد أثر القرار بعيدا، من خلال توفير فرص عمل قريبة من مناطق السكن وتقليل معدلات الهجرة الداخلية غير المنظمة نحو المدن الكبرى، والمساهمة في إعادة توازن توزيع الأنشطة الاقتصادية عبر المحافظات كما يساعد في تقليص الفجوات التنموية بين المناطق الحضرية والريفية، ويعزز التماسك الاجتماعي من خلال ربط المواطن مباشرة بدورة الإنتاج الوطني.
إن قرار الـ65 نشاطا ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة انتقالية تحتاج إلى وعي مؤسسي عالٍ وتنسيق محكم بين الوزارات المعنية (الصناعة، الإسكان، البيئة، والتنمية المحلية) كما يتطلب رقابة مجتمعية فاعلة وتقييما دوريا للنتائج على أرض الواقع، إنه خطوة شجاعة نحو إعادة صياغة متوازنة للعلاقة بين عمران المدينة وحركة الإنتاج الصناعي في إطار تكاملي جديد.
في النهاية، عندما تمنح الدولة الاستثمار أرضا خصبة وقانونا مرنا ورقابة عادلة وشفافة، فإنها لا تصنع ثروات اقتصادية فحسب، بل تبني حضارة حديثة متوازنة، و هذا القرار، إذا أحسن تنفيذه ومتابعته، سيكون مدخلا حقيقيا لعصر جديد تتنفس فيه الاقتصادات بحرية أكبر، وتزدهر فيه المدن بإنتاجها الخاص، وتترسخ فيه ثقة المستثمر بأن الدولة شريك استراتيجي حقيقي في رحلة البناء والتنمية المستدامة.