عاجل

 

توقفت الحرب، إلى حين، ورقدت الطائرات في مرابطها، واستقرت الصواريخ في جرابها. بدأ المتحاربون في عدّ المفقودات وتدوين الخسائر. في بيوت المكلومين يُسمع أنين الفقد، ويخيم حزن الفراق. في إيران يظل السؤال حائرًا عن سر الوصول السهل إلى قيادات النظام.

المؤكد أن إسرائيل لم تجد صعوبة في فهم المتناقضات والصراعات داخل النسيج الإيراني، بل داخل السلطة ذات الطبقات المتعددة، وهذا ليس نجاحًا لإسرائيل بقدر ما هو ضعف داخل أروقة السلطة، وتمزق بين جنبات المجتمع.
عندما اقتحم عملاء الموساد مستودعًا في قلب طهران في يناير 2018، وعادوا «بنصف طن من الوثائق التي تضم كافة المعلومات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني»، توقع البعض أن تبدأ إيران مرحلة جديدة من ضبط الداخل الذي يسمح بهذا الاقتحام الغريب والسهل. كانت هذه العملية بمثابة زلزال مفجع، لكن النظام لم يخرج من فقاعته الخاصة. بين المواد الهائلة المنقولة من الأرشيف النووي وثائق ومعلومات لم تكن معروفة لدى إسرائيل، إذ كشفت عن أسماء وأماكن أجرت فيها إيران أنشطة نووية عسكرية سرية، ولم تكن هذه المواقع معروفة من قبل، وخلق ذلك أزمة كبيرة لإيران، والأخطر أنه وضعها في موقف مهين.

يبدو أن حالة الانكشاف كانت أكبر من أن يدركها النظام الإيراني، أو أن يتفهم أسبابها. فلم يمر وقت طويل حتى انتقل الموساد إلى مستوى فضائحي يكشف عن غياب تام للأمن الإيراني؛ إذ شهدت طهران عمليات اغتيال في وضح النهار، وتفجيرات في معامل سرية لتخصيب اليورانيوم، وعملية إدخال لفيروس «ستوكسنت» إلى أنظمة التشغيل بواسطة ذاكرة بيانات مضللة.

وقبل أن يودع عام 2020 أيامه الأخيرة، أعلنت وزارة الدفاع الإيرانية مقتل العالم النووي محسن فخري زاده، الذي يوصف بالعقل المدبر لبرنامج سري وضعته إيران، وهو ما وُصف بأنه ذروة مشروع جهاز «الموساد» لتدمير البرنامج النووي الإيراني. وكانت عملية قتل ضيف على النظام في وقت استنفار أمني بمثابة زلزال عنيف، وإذلال صارخ لقدرة دولة على حماية ضيف وقت احتفالها بتنصيب رئيس جمهوريتها.إذ اغتالت إسرائيل إسماعيل هنية في قلب طهران، التي لم تعرف حتى كيف تم ذلك.

الأخطر هو ما ظهر مع حرب الاثني عشر يومًا من العام الماضي، حيث قُتل قادة وعلماء من الصف الأول ثم الصف الثاني، دون أن يدرك النظام من أين تأتيه الصفعات المهينة، كأن حالة الانكشاف كانت أكبر من أن يدركها النظام الحاكم. تكرر السيناريو بصورة أفدح وأكبر مع الطلقة الأولى في الحرب الأخيرة. هنا تبرز إشكالية الصراعات الخفية الناجمة عن تعدد طبقات النظام، والتي يمكنها الحفاظ على الحكم لا المحكومين؛ إذ تُعرف صلابة الأنظمة الحاكمة بقدرتها على حماية أمنها القومي، والذي يبدأ بقوة ومناعة جبهتها الداخلية.

غريبٌ نظام الحكم في إيران، فتركيبته معقدة، وتسمح بأرضية للتضارب، وتخلق مناخًا للصراع، وتفتح بابًا واسعًا للتنافس على النفوذ. ففي المجلس الأعلى للأمن القومي نجد رئيس الجمهورية «المنتخب»، يقابله الأمين العام «المعين»، والأخير يحظى بدور أعلى من الرئيس. ورغم أن هذا المجلس يضم ممثلًا لكلٍّ من هيئة الأركان، والحرس الثوري، والمخابرات، والخارجية، ووزارات أخرى، فضلًا عن ممثلين للمرشد، إلا أن الأمين العام هو الحاسم في القرارات. وهناك وزارات لها دور أعلى من أخرى. ففي عام 2012 وضع مجلس الأمن القومي خطة الدبلوماسية الدفاعية، والتي تجعل وزارة الدفاع والحرس فوق الخارجية في القرار.

هناك أيضًا مجلس صيانة الدستور، ومجلس الخبراء، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ورجال الدين في قم، وكل هؤلاء على علم بالقضايا المهمة. وإذا نظرنا إلى دور المرشد ومهامه، سنكتشف أن رئيس الجمهورية مجرد موظف صغير؛ فالمرشد هو قائد الثورة والولي الفقيه، ويمتلك كافة الصلاحيات الإدارية والدينية والاستراتيجية والأيديولوجية. وتُعد خُطبه «معالم طريق» للسياسة الخارجية والعمل الداخلي.

وعلى المستوى الأمني تتعدد الجهات المسؤولة عن الأمن الخارجي والداخلي، ولكل جهة رجالها وأهدافها ومصالحها. وإذا كان من وضع هذا النظام يسعى إلى منع انهياره، إلا أن هذه التركيبة تسمح باختراقات واسعة، لا تمنح النظام استقرارًا، ولا تعطي الشعب عدالة. الشيء الوحيد الذي عصم إيران من التداعي الكامل هو الجغرافيا ذات التضاريس الفريدة.
إيران ملعب سهل للموساد الصهيوني، فلا يوجد موقع بالغ الخطورة والحساسية إلا واقتحمه، ولا يوجد مسؤول أو عالم في مأمن.

استهداف وزير الاستخبارات العسكرية الإيرانية وقت الحرب يعني أن إيران عارية تمامًا ومنكشفة، ولا تعاني من مجرد اختراقات هنا أو هناك. إذ مرت بالإخفاقات نفسها مرات — على الأقل خلال آخر عشر سنوات. هذا يعني أن نظام الحكم يعيش في هشاشة أمنية مفرطة، أو صراع بين طبقات الحكم المتضادة، أو كراهية شعبية عميقة ورفضًا واسعًا لنظام الحكم مع رغبة مستترة في إسقاطه.

ومن الغريب أن السلطات الإيرانية أعلنت بوتيرة متكررة عن إلقاء القبض على عشرات العملاء، وأثناء الحرب الأخيرة أعلنت القبض على آلاف الجواسيس. هذه الأعداد الكبيرة تُحير أي متابع؛ فأجهزة الاستخبارات لا تُجنِّد هذا العدد الكبير حتى لو كانوا متطوعين ومبادرين. الجاسوس لا بد أن يكون له حيثية بحيث يمكن الاعتماد على ما يقدمه من معلومات، ومن ثم تحليلها واستخدامها بواسطة الوسائل الحديثة. إيران في هذه النقطة تبدو كمن يفتش في غرفة مظلمة عن ثوب أسود، فكلما قبضت على من تعتبرهم عملاء استمرّت وتيرة الاستهدافات لشخصيات بارزة.

تم نسخ الرابط