العقارات الوهمية علي الفيس بوك تثير القلق.. وخبراء يطالبون برقابة صارمة(تقرير)
الإعلانات الوهمية للعقارات، في ظل الطفرة الكبيرة التي يشهدها السوق العقاري في مصر، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي، موجة من الإعلانات التي تروّج لوحدات سكنية بأسعار مغرية وأنظمة سداد تبدو في متناول الجميع، غير أن هذه الإعلانات، التي تنتشر بشكل واسع بين المستخدمين، أثارت جدلًا متزايدًا حول مدى مصداقيتها، خاصة مع تكرار شكاوى من وجود فجوة بين ما يعلن وما يعرض فعليًا على أرض الواقع.
الإعلانات الوهمية للعقارات
وبين من يعتبرها مجرد أساليب تسويقية لجذب العملاء، ومن يراها بوابة لعمليات تضليل أو نصب محتملة، يظل التساؤل قائمًا: هل تؤثر هذه الإعلانات على ثقة المواطنين في السوق العقاري؟ أم أن وعي المشترين وخبرتهم بات كفيلًا بفرز الجاد من الوهمي في ظل سوق يشهد منافسة متزايدة؟
ومن جانبه قال المهندس فتح الله فوزي، رئيس مجلس إدارة شركة مينا لاستشارات التطوير العقاري، ورئيس لجنة البناء والتشييد بجمعية رجال الأعمال المصريين، إن ما يثار حول انتشار ما يسمى بـ"الإعلانات الوهمية" للعقارات على مواقع التواصل الاجتماعي يحتاج إلى تدقيق، موضحًا أن هناك خلطًا بين أساليب التسويق الطبيعية وبين النصب الحقيقي.
ممارسة تسويقية معروفة في السوق العقاري
وأضاف فوزي في تصريحات خاصة لنيوز رووم، أن بعض الإعلانات التي تعلن عن أسعار منخفضة أو مقدمات بسيطة ليست بالضرورة وهمية، لكنها تعتمد على عرض أقل وحدة في المشروع من حيث المساحة أو الموقع داخل الكمبوند، بهدف جذب العميل، مشيرًا إلى أن هذه ممارسة تسويقية معروفة في السوق العقاري.
وأوضح رئيس لجنة البناء والتشييد بجمعية رجال الأعمال المصريين، أن المطور العقاري عندما يعلن عن سعر "يبدأ من كذا"، فإنه غالبًا ما يشير إلى أصغر أو أقل وحدة سعرًا داخل المشروع، بينما توجد وحدات أخرى بأسعار أعلى حسب الموقع والمساحة والمميزات، مؤكدًا أن ذلك لا يُعد تضليلًا طالما أن المشروع قائم وله تراخيص واضحة، مشيرًا إلى أن مفهوم "الإعلان الوهمي" الحقيقي ينطبق فقط في حالة عدم وجود مشروع من الأساس أو الترويج لكيان غير موجود، وهو ما يدخل في إطار النصب، وليس التسويق العقاري المشروع.
السوق العقاري في مصر يتمتع بدرجة من الوعي لدى العملاء
وأكد فوزي أن السوق العقاري في مصر يتمتع بدرجة من الوعي لدى العملاء، خاصة أن شراء العقار يُعد من أهم القرارات المالية في حياة المواطن، ما يدفعه إلى التحقق من المشروع وزيارة الموقع والاطلاع على سابقة أعمال الشركة المطورة قبل اتخاذ القرار.
وشدد فوزي، على ضرورة قيام العميل باتخاذ إجراءات احترازية قبل الشراء، مثل مراجعة التراخيص، والاستعانة بمحامٍ لقراءة العقود، والتأكد من جدية المطور، معتبرًا أن هذه الخطوات أصبحت أساسية في أي عملية شراء عقاري.
الإعلانات الوهمية لا تؤثر على المطورين العقاريين
وفيما يتعلق بتأثير هذه الإعلانات على السوق، أوضح فوزي أن الإعلانات الوهمية الصادرة عن أفراد على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في سوق إعادة البيع (Resale)، لا تؤثر على المطورين العقاريين، نظرًا لاختلاف طبيعة المنتج، حيث يقدم المطور وحدات على فترات سداد طويلة، بينما يعرض الأفراد وحدات جاهزة للبيع الفوري، مؤكدًا على أن السوق العقاري لا يتأثر بمثل هذه الظواهر الفردية، وأن العامل الأساسي المؤثر يظل في حجم المعروض من المشروعات الجادة وثقة العملاء في الشركات المطورة.
ومن جانبه حذر الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، من تنامي ظاهرة الإعلانات العقارية الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة “فيسبوك”، مؤكدًا أنها أصبحت أحد أبرز أدوات النصب التي تستهدف المواطنين الباحثين عن سكن أو فرصة استثمارية.
فيسبوك منصة سهلة للنصب بسبب غياب الرقابة
وأوضح عبد الهادي، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن سهولة نشر الإعلانات دون رقابة فعالة جعلت من “فيسبوك” بيئة خصبة لعرض عقارات بأسعار غير واقعية، ما يدفع الكثيرين للوقوع فريسة لعمليات احتيال منظمة، مشيرًا إلى أن انتشار الوسطاء غير الرسميين، وتكرار نشر نفس العقار بأسعار مختلفة على عدة منصات، يزيد من حالة التضليل ويؤثر سلبًا على شفافية السوق.
أسباب اقتصادية وراء انتشار الظاهرة
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن هناك عوامل اقتصادية ساهمت في تفاقم الأزمة، أبرزها زيادة عدد السكان، وانخفاض قيمة العملة المحلية، ما دفع الأفراد إلى البحث عن أوعية استثمارية بديلة للحفاظ على مدخراتهم، مثل الذهب والعقارات، مؤكدًا أن أزمة السكن وارتفاع الأسعار لعبتا دورًا رئيسيًا في زيادة الإقبال على الإعلانات الرقمية، باعتبارها الوسيلة الأسهل للبحث، رغم ما تحمله من مخاطر.
تأثير مباشر على السوق العقاري وثقة المستثمرين
وشدد عبد الهادي، على أن هذه الظاهرة تؤدي إلى خسائر كبيرة للمواطنين، نتيجة ضياع مدخراتهم في مشروعات وهمية، وهو ما ينعكس سلبًا على ثقة المستثمرين في السوق العقاري المصري، وخاصة وأن فقدان الثقة قد يدفع المستثمرين إلى تحويل أموالهم إلى مجالات أخرى، مما يهدد استقرار السوق ويؤثر على معدلات الاستثمار.
خسائر اقتصادية ضخمة وتأثير على إيرادات الدولة
وأكد الخبير الاقتصادي، أن حجم السوق العقاري في مصر يُقدّر بنحو 1.7 تريليون دولار بحلول عام 2026، لافتًا إلى أن عمليات النصب المرتبطة بالعقارات الوهمية تمثل خسائر اقتصادية كبيرة يصعب حصرها بدقة، وأن هذه العمليات تؤثر بشكل مباشر على إيرادات الدولة، خاصة فيما يتعلق بالضرائب العقارية ورسوم التصرفات.
ولفت أن عمليات النصب لا تعد السبب الرئيسي في تكوين الفقاعة السعرية، لكنها تساهم بشكل غير مباشر في تشويه السوق، من خلال تقديم أسعار غير حقيقية سواء بالزيادة أو الانخفاض، ما يربك قرارات المستثمرين ويؤثر على حركة البيع والشراء، مطالبا بضرورة تدخل الدولة عبر سن تشريعات تنظم الإعلانات العقارية الرقمية، من بينها، إلزام الوسطاء بالحصول على تراخيص رسمية، ومنع نشر أي إعلان عقاري دون اعتماد من الجهات المختصة، ووضع كود أو رقم تعريفي لكل عقار يتم تداوله إلكترونيًا، كما يجيب أن يكون هناك أهمية وجود رقابة من وزارة الإسكان أو الجهات المحلية، مع تقييم العقارات قبل طرحها على المنصات الرقمية.
استغلال متزايد للبيئة الرقمية
أكد الخبير القانوني عبد الرازق مصطفى، أن الانتشار الملحوظ للإعلانات العقارية الوهمية على منصات التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها “فيسبوك”، يعود إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية المتشابكة، إلى جانب استغلال متزايد للبيئة الرقمية وضعف الرقابة المسبقة على المحتوى الإعلاني.
عوامل اقتصادية واجتماعية وراء انتشار الظاهرة
وأوضح مصطفى، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن رغبة المواطنين في التحوط ضد التقلبات الاقتصادية تدفعهم بشكل متزايد نحو الاستثمار العقاري، وهو ما خلق بيئة خصبة يستغلها المحتالون لاستهداف الباحثين عن فرص استثمارية سريعة، مشيرًا إلى أن انخفاض تكلفة الإعلانات الرقمية، إلى جانب غياب التحقق المسبق من صحة الملكيات العقارية على بعض المنصات، ساهم في نشر آلاف الإعلانات المضللة خلال وقت قصير.
حيل احتيالية تعتمد على “سيكولوجية الإغراء”
وأضاف الخبير القانوني أن المحتالين يعتمدون على ما يعرف بـ”سيكولوجية الإغراء”، من خلال عرض وحدات سكنية بأسعار أقل بكثير من قيمتها السوقية، بهدف جذب الضحايا سريعًا، وخاصة وأن هذه الإعلانات غالبًا ما تتضمن استخدام أسماء مطورين عقاريين معروفين وصور مشاريع حقيقية لإضفاء طابع المصداقية، إلى جانب ممارسة ضغوط نفسية عبر الادعاء بنفاد الوحدات أو وجود مشترين آخرين، لإجبار الضحية على دفع مبالغ “جدية حجز” عبر وسائل إلكترونية دون معاينة فعلية.
وأشار مصطفى إلى أن خوارزميات فيسبوك تتيح استهدافًا دقيقًا للفئات العمرية والمهنية، ما يسهل على المحتالين الوصول إلى شرائح مستهدفة بعينها، كما أن سهولة إنشاء الحسابات الوهمية وإغلاقها بعد تنفيذ عمليات الاحتيال، إضافة إلى استخدام تعليقات وتفاعلات مزيفة، يمنح هذه الإعلانات مصداقية زائفة يصعب على المستخدم العادي اكتشافها.
عقوبات قانونية مشددة لمروجي الإعلانات الوهمية
وأكد الخبير القانوني، أن هذه الأفعال تخضع لعقوبات قانونية مشددة وفق قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات وقانون العقوبات، حيث تعد صورًا من الاحتيال الإلكتروني، وخاصة وأن المادة 336 من قانون العقوبات تنص على الحبس الذي قد يصل إلى ثلاث سنوات لكل من استولى على أموال الغير بطريق الاحتيال أو عبر الإيهام بمشروعات كاذبة، مع تشديد العقوبة حال اقتران الجريمة بالتزوير.
ثغرات قانونية يستغلها المحتالون
وكشف مصطفى عن وجود بعض الثغرات التي يستغلها المحتالون، أبرزها إعادة تكييف الواقعة على أنها نزاع مدني من خلال توقيع عقود صورية، بما يُخرجها من المسار الجنائي السريع إلى التقاضي المدني الطويل، مشيرًا إلى أن استخدام خوادم خارجية أو أرقام غير مسجلة يُعقّد عمليات التتبع الأمني ويصعّب ضبط الجناة.
خطوات استرداد أموال الضحايا
وأوضح الخبير القانوني، أن أولى خطوات استرداد الأموال تتمثل في تحرير محضر رسمي بمباحث الإنترنت وإثبات الواقعة مدعومًا بالأدلة الرقمية مثل لقطات الشاشة والمحادثات، لافتًا إلى أن النيابة العامة يمكنها اتخاذ إجراءات سريعة لتجميد الأموال المحوّلة إلى المحافظ الإلكترونية، يعقبها رفع دعوى مدنية للمطالبة برد الأموال والتعويض بعد صدور حكم قضائي نهائي.
جريمة مركبة يعاقب عليها القانون
وأكد مصطفى، أن هذه الوقائع تمثل جريمة مركبة، تجمع بين “النصب الإلكتروني” من حيث الوسيلة و”النصب العقاري” من حيث الهدف، مشيرًا إلى أن التعامل معها يتم عبر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لضبط الأدلة الرقمية، مع تطبيق العقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات لتحقيق الردع العام والخاص.