جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتسريع إحالة مشاريع قوانين الأسرة إلى مجلس النواب لتشكل محطة تشريعية وسياسية بالغة الدلالة، لا يمكن قراءتها بمنطق إجرائي ضيق، بل في إطار الرؤية الشاملة للدولة المصرية لبناء عقد اجتماعي جديد يحمي النسيج الأسري، و يواكب التحولات الديموغرافية والقضائية الراهنة بتحديث التشريعات الأسرية والتي لا يمثل تحديثها مجرد تعديل فقهي أو قضائي، بل هو مشروع مجتمعي يعكس قدرة الدولة على إدارة التعقيد الاجتماعي بتوازن يحفظ الحقوق، ويصون الكرامة، ويضع مصلحة الطفل بوصلة لا تحيد.
إن الدافع الجوهري وراء هذه الخطوة لا يكمن في "السرعة" بحد ذاتها، بل في إنهاء حالة من الجدل المؤسسي الممتد الذي أثقل كاهل القضاء وعطل حياة الأسر، سنوات من التقاضي المتشعب، وتعقيدات النفقة والرؤية والحضانة، خلقت فجوة واضحة بين النص القانوني والواقع المعيش، لذا، فإن التوجيه الرئاسي يمثل تحولا استراتيجيا من مرحلة التراكم النقدي إلى مرحلة البناء المؤسسي، حيث تتصدر أولوية إنهاء الأزمات العالقة، وتعاد هندسة العلاقة بين الأب والأم كشركاء في التربية لا كخصوم في ساحات المحاكم.
وفي قراءة للمسارات المتوقعة، تبرز توجهات إصلاحية تستند إلى دراسات ميدانية وآراء متخصصين، من أبرزها التوسع في مفهوم "الاستضافة" بديلا عن الرؤية التقليدية المحدودة، بما يضمن للطفل تواصلا طبيعيا مع والده في بيئة أسرية مستقرة، مع ربط سن الحضانة بالمصلحة الفضلى لا بمعيار زمني جامد كما يعد إنشاء "صندوق دعم الأسرة" خطوة تنفيذية ذكية تحمي الحقوق المالية فورا، وتحول النفقة من عبء قضائي متعذر إلى التزام مؤسسي مضمون، يرتبط بالدخل الفعلي ويفرض عبر آليات استرداد رادعة، ولا يقل أهمية عن ذلك تنظيم إجراءات الطلاق والخلع وتوثيقها بشكل إلزامي، مما يقطع الطريق على المنازعات المستنزفة، إلى جانب تثبيت حد أدنى للزواج بثمانية عشر عاما وتشديد العقوبات على الزواج غير الرسمي، حماية للطفولة والمستقبل الديموغرافي للدولة، وتسريع الفصل القضائي عبر تحديد مدد زمنية ملزمة وتشجيع التسوية الودية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة النصوص، بل في ضمان حوار مجتمعي حقيقي يسبق التطبيق، وفي تهيئة الآلية القضائية والإدارية القادرة على تنفيذ القانون بعدالة وكفاءة، ةوجود مسارين تشريعيين منفصلين للمسلمين والمسيحيين، وإن كان منطقيا من حيث مراعاة الخصوصية الدينية والتنوع المجتمعي، إلا أنه يفرض مسؤولية مضاعفة على المشرع والقاضي لضمان عدم تحويل الاختلاف إلى تمييز، والحفاظ على وحدة المعايير الحقوقية الأساسية التي يكفلها الدستور، كما أن توسيع دور الأب في القرارات المصيرية كتعليم الطفل وسفره يتطلب آليات تنسيق واضحة مع الأم الحاضنة، تحول دون تحول الحق إلى أداة ضغط، وتضمن أن يظل "الأعلى مصلحة للطفل" هو الفيصل في كل خلاف.
إن هذا التحول التشريعي هو اختبارا لقدرة الدولة على إدارة التعقيد الاجتماعي دون الانزلاق إلى قطبية "حقوق ضد حقوق"، بل نحو نموذج توافقي يعيد تعريف الأسرة المصرية في ضوء المعطيات المعاصرة. إن نجاح القانون لن يقاس بحجم التعديلات، بل بقدرته على تخفيف العبء عن كاهل المحاكم، واستعادة الثقة في المؤسسة القضائية، وضمان بيئة آمنة لنمو الأجيال القادمة.
في الختام .. خطوة الرئيس السيسي ليست مجرد تسريع إداري، بل رسالة سياسية واضحة بأن حماية الأسرة أولوية وطنية لا تقبل المساومة لكن الحكم النهائي سيكون على أرض الواقع، بعد كشف التفاصيل النهائية، وقياس الأثر الاجتماعي والقضائي، و المطلوب الآن هو تكامل الأدوار بين التشريع والتنفيذ والمجتمع المدني، لضمان أن يكون القانون جسرا للعدالة لا ساحة للصراع، وأداة لتماسك النسيج الوطني لا سببا لانشقاقه، مصر التي تبني دولة مؤسسات قادرة على تجاوز تحديات الماضي، هي نفسها القادرة على صياغة قانون أسرة يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويضع مصلحة الطفل فوق كل اعتبار.