عاجل

دبلوماسية تفكيك الألغام.. كيف تتحرك مصر في قلب النار؟

محمود بسيوني
محمود بسيوني

في مقالة جديدة، كتب الكاتب الصحفي محمود بسيوني مقالًا بعنوان «دبلوماسية تفكيك الألغام»، تناول فيه تطورات المشهد الإقليمي الراهن، وما يشهده الشرق الأوسط من تصاعد في حدة التوترات والصراعات بين قوى إقليمية ودولية، في ظل تحولات سياسية وأمنية متسارعة تعيد تشكيل خريطة المنطقة.

وتطرق بسيوني إلى أدوار بعض الدول الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، في إدارة الأزمات عبر أدوات دبلوماسية هادئة تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهات أوسع، مشيرًا إلى ما وصفه بالتحركات المكثفة وغير المعلنة التي تُدار في إطار من التنسيق الإقليمي والدولي لخفض التوترات.

وجاء نص المقال كالتالي:

الانحياز الوحيد الذى أظهرته مصر واضحًا وصريحًا كان لأمن الأشقاء فى دول الخليج، مع إدانة حاسمة للسلوك الإيرانى العدوانى، فمصر تتحرك وفق عقيدة ثابتة تعتبر أن استقرار الخليج امتداد مباشر لأمنها القومى، وأن “مسافة السكة” ليست شعارًا، بل التزامًا عمليًا قابلاً للتنفيذ فى كل السيناريوهات.

مما لا شك فيه أن الشرق الأوسط يعيش لحظة تحول وتشكّل بقوة السلاح، تتبادل فيها المشاريع الاستعمارية الإقليمية الحديث بلغة الصواريخ والمسيّرات، دونما التفات إلى عدد القتلى والجرحى أو المرشحين لخسارة عملهم وتدمير نمط معيشتهم، بعدما اشتدت الأزمة الاقتصادية المترتبة على طول أمد الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، ونظام الملالى المسيطر على إيران منذ سقوط الشاه.

لقد كشف الاشتباك الدموى الأخير عن حقائق جديدة يجب وضعها فى الحسبان، أولها وأخطرها أننا أمام صراع إقليمى طويل ممتد، وقابل للانفجار فى أى لحظة وجر المنطقة إلى الدمار، كاشفًا عن هشاشة البنية الاستراتيجية للمنطقة بأكملها، وأن اتساع نطاق المواجهات سيقود إلى سيناريو حرب إقليمية شاملة متعددة المسارح، وهو ما يعكس بوضوح خطورة اللحظة التى تمر بها المنطقة.

وجوهر الأزمة الحقيقى أننا أمام تصادم جلى وحتمى بين مشروعين توسعيين لا يمكن التوفيق بينهما: المشروع الإيرانى القائم على تصدير الثورة وتوظيف الوكلاء المسلحين وتهديد الأشقاء فى دول الخليج، مقابل المشروع الإسرائيلى الذى يستهدف الهيمنة الأمنية وإعادة تشكيل المجال الإقليمى لصالح تفوقه الاستراتيجى وتحقيق أسطورة إسرائيل الكبرى، هذا الصراع البنيوى على النفوذ والأمن خلق حالة استقطاب حاد، جعلت من أى شرارة كافية لإشعال مواجهة مباشرة وغير مسبوقة، كما حدث فى الأسابيع الأخيرة.

فى خضم هذا الغليان، سعت إيران إلى تعزيز موقعها عبر سلوك عدوانى نمطى، يعتمد على استراتيجية «تصدير الفوضى والأزمات» واستخدام مضيق هرمز كسلاح جيوسياسى وتحويله لأداة تفاوض وهو ما هدد الاقتصاد العالمى وأصاب البورصات فى مقتل.

ومع اندلاع الحرب، شنت طهران هجمات صاروخية مباشرة وطائرات مسيّرة على منشآت مدنية ونفطية حيوية فى دول الخليج، ما أسفر عن سقوط ضحايا وخسائر مادية فادحة، كما وثقته تقارير دولية متعددة، هذا السلوك الإجرامى يعكس طبيعة نظام لا يتورع عن سفك الدماء أو تدمير البنى التحتية لتحقيق مصالحه التوسعية، فما جرى فى الإمارات والكويت وقطر والسعودية عملًا إجراميًا لا يمكن تجاوزه، ولا يختلف فى طبيعته عن جرائم جيش الاحتلال فى غزة وتجسيد متجدد لمنهج عدوانى ممنهج، يرسّخ أن إيران تمثل تهديدًا وجوديًا لاستقرار الإقليم.

جهود مكثفة دبلوماسية

وسط هذه الفوضى، برزت جهود دبلوماسية مكثفة وغير مسبوقة قادتها مصر، بالتعاون الوثيق مع باكستان وتركيا. هذه الجهود، التى وصفتها الصحافة الدولية بـ «دبلوماسية تفكيك الألغام»، لم تكتفِ بوقف التصعيد، بل أدارت الأزمة عبر أدوات دقيقة شملت فتح قنوات خلفية، ونقل رسائل غير مباشرة، وإعادة بناء الحد الأدنى من الثقة بين الأطراف المتصارعة، وكان الجزء المعلن منها هو النداء الذى أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسى ووجّهه للرئيس الأمريكى دونالد ترامب للتدخل ووقف الحرب، مستندًا إلى رصيد مصرى سابق فى إدارة الأزمات، خاصة نجاح القاهرة - بالتعاون مع واشنطن-فى وقف حرب غزة بعد تعثر دولى امتد لأكثر من عامين.

وفى دلالة لافتة، أشار موقع «أكسيوس» الأمريكى إلى هذا الدور بوضوح، معتبرًا أن القاهرة كانت عنصرًا حاسمًا فى مسار التهدئة، حيث نقل عن مصادر مطلعة أن «التحرك المصرى لعب دورًا رئيسيًا فى منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، وأنه لا يمكن تصور وقف إطلاق النار دون هذا الدور»، كما أوضح أن باكستان تصدرت جهود الوساطة، لكن مصر كانت نقطة الارتكاز فى إنجاحها، مع طرح هدنة قصيرة كآلية لبناء الثقة. بدورها، أكدت «بلومبرج» أن القاهرة كثفت اتصالاتها فى اللحظات الحرجة، قبل ساعات من تهديدات التصعيد القصوى، ما يعكس دورها كقناة اتصال موثوقة بين أطراف متصارعة.

غير أن فهم هذه التحركات يتطلب إدراك حقيقة جوهرية: أن العمل الدبلوماسى ليس عرضًا استعراضيًا، ولا إعلانًا مدفوع الأجر، بل عملية مركبة تُدار فى الظل، تقوم على إدارة التناقضات وتفكيك الأزمات قبل انفجارها، فالدبلوماسية لا تُقاس بحجم ما يُقال، بل بوزن ما يتم منعه. ومصر، بخبرتها التراكمية، تدرك أن الإفراط فى الإعلان قد ينسف المسارات التفاوضية، وأن بعض النجاحات لا تُعلن لأنها لو أُعلنت لفشلت.

ومن هنا نفهم، إن جزءًا معتبرًا من الجهد المصرى يظل بعيدًا عن الأضواء، ليس غموضًا، بل التزامًا بطبيعة التنسيق مع أطراف متعددة المصالح، متعارضة الحسابات. هذه الشبكة المعقدة من الاتصالات لا يمكن اختزالها فى بيانات، بل هى إدارة دقيقة للحظة ما قبل الانفجار.

«التحرك المصرى لعب دورًا رئيسيًا فى منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، وأنه لا يمكن تصور وقف إطلاق النار دون هذا الدور»، وبالرغم من أن باكستان تصدرت جهود الوساطة، لكن مصر كانت نقطة الارتكاز فى إنجاحها، مع طرح هدنة قصيرة كآلية لبناء الثقة.

شبكة المصالح المتبادلة

هذا الموقف يستند إلى تاريخ طويل من العلاقات الراسخة مع السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين، حيث تشكلت شبكة من المصالح المتبادلة والدعم المتبادل فى لحظات الأزمات، هذه العلاقات ليست مجرد تحالفات سياسية، بل بنية تضامن استراتيجى تشكل العمود الفقرى للأمن العربى.

وقد برهنت القيادة المصرية على إدراكها لخطورة أى تصعيد واسع وأنه لن يكون مجرد حدث عسكرى، بل زلزال اقتصادى يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة العالمية، وهو ما سينعكس مباشرة على الاقتصاد المصرى فى مرحلة إصلاح دقيقة. لذلك، فإن التحرك المصرى اتجه لوقف نزيف الدم، ومنع سيناريو اقتصادى كارثى يعرقل مسار التعافى.

ان مصر لم  تتحرك، بحثًا عن أضواء، بل انطلاقًا من إدراك استراتيجى بأن ترك الإقليم للفوضى يفتح المجال لقوى أكثر تطرفًا، وتدرك تماما أنها تتحرك بين مشروعين يتنازعان الإقليم، لذلك اختارت  القاهرة أن تمارس دور «مُعيد التوازن» عبر دبلوماسية تبحث عن الإنجاز دون صخب أو بحث عن أجر لا يوازى المنجز .

 إن مقياس الدول الإقليمية الكبرى فى النظام العالمى الجديد لا يتوقف على قدرتها العسكرية وشن الحروب، بل بقدرتها على منعها، وفى زمن يعلو فيه صوت السلاح، يظل الفعل الدبلوماسى الهادئ —حين يكون محسوبًا—أكثر تأثيرًا من ضجيج المدافع، لأنه لا يوقف الحرب فقط بل قادر على إنقاذ إقليم كان يقف على حافة الانفجار.

تم نسخ الرابط