كوليت خوري.. سيرة جريئة لامرأة كسرت صمت المجتمع ودونت صوتها في الأدب العربي
برحيل الكاتبة السورية كوليت خوري، تفقد الساحة الثقافية العربية واحدة من أبرز الأصوات النسوية التي أعادت صياغة حضور المرأة في الأدب، وفتحت أبوابًا جديدة للبوح والتعبير، متحدية القيود الاجتماعية والفكرية التي كبّلت أجيالًا طويلة.
ولدت كوليت خوري في دمشق عام 1931، في بيئة جمعت بين السياسة والثقافة، فهي حفيدة رجل الدولة السوري البارز فارس الخوري، ما منحها منذ الصغر وعي مبكر بقضايا المجتمع والتحولات السياسية، تلقت تعليمها في مدارس فرنسية بدمشق، ثم درست الحقوق في بيروت، قبل أن تحصل على إجازة في اللغة الفرنسية وآدابها، لتبدأ رحلتها مع الكتابة مبكرًا، مدفوعة برغبة عميقة في التعبير عن الذات والاحتجاج على القيود المفروضة على المرأة.
انطلقت مسيرتها الأدبية في أواخر خمسينيات القرن الماضي، حيث أصدرت أول أعمالها "عشرون عامًا"، معلنة بداية مشروع أدبي مختلف، يقوم على الغوص في أعماق النفس الأنثوية، لكن التحول الأبرز جاء مع روايتها الشهيرة "أيام معه" عام 1959، التي أثارت جدل واسع في المجتمع العربي، لجرأتها في تناول موضوع الحب من منظور أنثوي صريح، وهو ما كان يعد في ذلك الوقت كسرًا للمحرمات.
لم تكن خوري تكتب لمجرد الحكي، بل كانت تكتب احتجاج، وقد عبرت عن ذلك بقولها إنها اختارت الكتابة كبديل عن الصراخ، فصارت كلماتها مساحة للتمرد الهادئ.
تناولت في أعمالها قضايا الحب، الحرية، الجسد، والهوية، وركزت على تقديم المرأة ككائن مستقل، له رغباته وصوته الخاص، بعيدًا عن الصورة النمطية التي فرضها المجتمع.
وتعد تجربتها امتداد لحالة ثقافية وأدبية أوسع، ارتبطت أيضًا بعلاقتها بالشاعر السوري نزار قباني، والتي كانت مصدر إلهام لبعض أعمالها، خاصة "أيام معه"، حيث انعكست ملامح هذه العلاقة في عمق الطرح العاطفي والفكري داخل النص.
وعلى مدار أكثر من ستة عقود، قدمت خوري إنتاجًا أدبيًا غزيرًا، تنوع بين الرواية والقصة والمقالة، ومن أبرز أعمالها: "ليلة واحدة"، "مر الصيف"، "دمشق بيتي الكبير"، و"دعوة إلى القنيطرة"، بالإضافة إلى كتاب "أوراق فارس الخوري" الذي وثقت فيه سيرة جدها، كما كتبت باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، ما منح أعمالها بعدًا عالميًا.
ولم يقتصر حضورها على الأدب فقط، بل امتد إلى المجال العام، حيث شغلت منصب عضو في البرلمان السوري بين عامي 1990 و1995، ثم عينت مستشارة ثقافية، وظلت حاضرة في النقاشات الفكرية والسياسية من خلال مقالاتها الصحفية، مؤمنة بأن الكلمة قادرة على التأثير وصناعة التغيير.
كما وثقت في كتاباتها لحظات مفصلية في التاريخ العربي، خاصة خلال حرب أكتوبر 1973، حيث قدمت نصوصًا أدبية مستلهمة من الواقع الميداني، عكست من خلالها كرامة الإنسان العربي وتحدياته.
تميزت كوليت خوري بقدرتها على المزج بين الحس الإنساني العميق والجرأة الفكرية، فكانت من أوائل الكاتبات اللواتي كتبن عن الحب والجسد من منظور أنثوي صريح، دون أن تفقد أعمالها بعدها الأدبي والإنساني، وقد أسهمت بشكل كبير في ترسيخ ملامح الرواية النسوية العربية، وفتحت الطريق أمام أجيال لاحقة من الكاتبات.
تظل كوليت خوري، حاضرة في نصوصها التي ما زالت تقرأ وتناقش، شاهدة على تجربة أدبية وإنسانية استثنائية، كتبت فيها المرأة نفسها بنفسها، دون وصاية أو خوف.