مد مهلة التصالح على مخالفات البناء 6 أشهر.. هل تعالج الأزمة؟ |خاص
وافق مجلس الوزراء، في اجتماعه اليوم برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، على مشروع قرار رئيس مجلس الوزراء بشأن مد المدة المقررة لتقديم طلبات التصالح في بعض مخالفات البناء إلى الجهة الإدارية المختصة لمدة 6 أشهر إضافية، تبدأ اعتبارًا من 5 مايو 2026، ولكن ما الأسباب التي دفعت الحكومة لهذا القرار؟.
في البداية قال النائب أكمل فاروق، وكيل لجنة الإسكان بمجلس الشيوخ، إن قرار الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بمد فترة التقدم بطلبات التصالح على مخالفات البناء لمدة 6 أشهر، يأتي في إطار تنفيذ أحكام القانون وليس إجراءً استثنائيًا أو عشوائيًا كما قد يظن البعض.
وأوضح فاروق، في تصريحات خاصة، أن قانون التصالح في مخالفات البناء الصادر عام 2023 نصّ على فترة سماح تمتد لعامين، مشيرًا إلى أن ما تم الإعلان عنه حاليًا يندرج ضمن هذه المدة القانونية، حيث يتبقى من المهلة الأصلية عام كامل، يتضمن الستة أشهر التي أُعلن عنها، يليها ستة أشهر أخرى.
تقنين الأوضاع
وأكد وكيل لجنة الإسكان أن الهدف من مد المهلة هو تشجيع المواطنين على التقدم للتصالح وتقنين أوضاعهم، لافتًا إلى أن نسب الإقبال لم تشهد زيادة ملحوظة حتى الآن، بل ما زالت عند نفس المستويات، سواء من حيث عدد المتقدمين أو نسب الإنجاز.
وأشار فاروق، إلى أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في مدة التصالح، بل في عدم وجود تعليمات موحدة وواضحة لتطبيق القانون على مستوى الأحياء والمراكز والقرى، ما يؤدي إلى تباين في الإجراءات وتعطيل البت في الطلبات.
طريقة تطبيق القانون
وأكد ن القانون ولائحته التنفيذية واضحان وضوح الشمس، لكن المشكلة في طريقة التطبيق، حيث تختلف التفسيرات من محافظة لأخرى، بل ومن حي لآخر، وهو ما يعطل تنفيذ القانون ويؤثر سلبًا على المواطنين".
وشدد وكيل لجنة الإسكان بمجلس الشيوخ على أن القانون ينص صراحة على أن الجهات المختصة إذا لم ترد على طلب التصالح خلال 30 يومًا يُعتبر ذلك موافقة ضمنية، إلا أن هذا لا يتم تطبيقه على أرض الواقع، مؤكدًا على الالتزام بتطبيق نصوص القانون كما وردت، وتوحيد آليات التنفيذ، بما يضمن تسريع إجراءات التصالح وتحقيق الهدف الرئيسي منه، وهو تقنين أوضاع المخالفات وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
من جانبه أكد الدكتور صبري الجندي، مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، أن قرار مد فترة التصالح في مخالفات البناء لا يُعد حلًا فعالًا لدفع المواطنين نحو تقنين أوضاعهم، بل يمثل في كثير من الأحيان أحد العوائق أمام تنفيذ القانون.
وأوضح "الجندي"، في تصريحات خاصة، أن تكرار مد المهلة يرسل رسالة سلبية للمواطنين مفادها أن الحكومة ستواصل التأجيل، ما يدفع البعض إلى التراخي وعدم التقدم للتصالح انتظارًا لقرارات مد جديدة، قائلًا: "اللي عايز يتصالح هيقول الحكومة هتمد تاني.. أدفع ليه دلوقتي؟".
ضعف الإقبال
وأشار إلى أن ضعف الإقبال على التصالح هو الدافع الرئيسي وراء قرارات المد، في محاولة من الحكومة لتيسير الإجراءات وتشجيع المخالفين على التقدم بطلبات التصالح، إلا أن هذه السياسة بحسب وصفه لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن، مضيفًا أن غياب الحافز الحقيقي لدى المواطن يُعد من أبرز أسباب العزوف، خاصة في ظل عدم اتخاذ إجراءات رادعة، مثل إزالة المخالفات أو قطع المرافق عن الوحدات المخالفة، إضافة إلى أن كثيرًا من المواطنين يفضلون السكن في وحدات مخالفة نظرًا لانخفاض أسعارها مقارنة بالوحدات المرخصة، رغم علمهم بعدم قانونيتها.
وتابع: المواطن بيشتري شقة مخالفة بسعر أقل، وبيستخدم نفس الخدمات زي أي شقة قانونية، فمش شايف دافع قوي يخليه يتصالح
المهلة الأخيرة
وحول الحلول المقترحة، شدد الجندي على ضرورة اعتبار المهلة الحالية الأخيرة، مع اتخاذ إجراءات حاسمة، تتضمن فرض غرامات رادعة على المخالفين، قد تصل إلى قيمة الوحدة السوقية، حال عدم التقدم للتصالح، داعيًا إلى توجيه إنذار نهائي للمخالفين، إضافة إلى الجدية في التطبيق ستدفع المواطنين إلى سرعة إنهاء إجراءات التصالح، خاصة إذا كانت تكلفة المخالفة لاحقًا ستكون أعلى بكثير من قيمة التصالح الحالية.
ولفت إلى أن نجاح منظومة التصالح يتطلب توازنًا بين التيسير والحسم، لضمان تحقيق الانضباط العمراني وتطبيق القانون بشكل فعّال.
وفي سياق متصل قال الدكتور عبد المجيد جادو، الخبير العقاري إن قرار مد فترة التصالح في مخالفات البناء يأتي في إطار منحة فرصة للمخالفين على الإسراع لتقديم طلبات التصالح مشيرًا إلى أن نجاح أي قانون يتعلق بالبناء أو التصالح في مخالفات البناء يتطلب بالأساس دراسة حقيقية للأسباب التي أدت إلى تعثر تطبيق القوانين السابقة، بدلًا من الاكتفاء بتمديد المدد القانونية أو إصدار تشريعات متكررة دون معالجة جذور المشكلة.
خلل في التطبيق
وأوضح جادو، في تصريحات خاصة، أن تكرار صدور قوانين للتصالح ثم تمديدها أكثر من مرة يعكس وجود خلل في آليات التطبيق على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن المطلوب هو تقييم شامل لتجربة القوانين السابقة، ومعرفة أسباب ضعف الإقبال أو تأخر الإنجاز، بدلًا من استمرار النهج ذاته دون تغيير.
وأضاف أن أي قانون لا يمكن أن ينجح في الواقع العملي ما لم يتم فهم العوامل الحقيقية التي تعوق تنفيذه، لافتًا إلى أن نسب التقدم في ملفات التصالح ما زالت أقل من المستهدف، رغم ما تم تقديمه من طلبات تجاوزت ملايين الحالات، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لمنظومة التطبيق.
سلبيات التطبيق
وأشار الخبير العقاري إلى أن بعض المقترحات التشريعية التي يتم تداولها مؤخرًا، تستهدف معالجة سلبيات التطبيق السابق، مؤكدًا أهمية أن تكون هناك رؤية واضحة مبنية على دراسة ميدانية دقيقة لأسباب استمرار المخالفات وعدم توقفها، حتى يمكن وضع إطار قانوني أكثر فاعلية في المستقبل.
وأكد جادو أن الثروة العقارية في أي دولة تعكس مستوى تطورها الحضاري والاجتماعي، موضحًا أن العقار ليس مجرد مبانٍ، بل هو سجل يعكس ثقافة المجتمع وقيمه وأنماط حياته، وهو ما يجعل من تنظيمه بشكل سليم عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمعات.
وتابع أن دراسة أنماط البناء والمخالفات تكشف الكثير عن طبيعة السلوك الاجتماعي والاقتصادي، مشددًا على أن العشوائيات والمخالفات العمرانية تؤثر سلبًا على جودة الحياة وتنتج أنماطًا غير صحية داخل المجتمع، ما يستوجب التعامل معها بشكل جذري.
وشدد على ضرورة وضع خطة متكاملة تستهدف معالجة مواطن القصور في القوانين الحالية، بما يضمن الحد من المخالفات المستقبلية، وتحقيق تنظيم عمراني أكثر انضباطًا يعكس صورة حضارية للمجتمع ويواكب خطط التنمية.