بعد ما كتبته عن الحقيقة فى زمن الحرب من زاوية الإعلام رأيت اننا دائما ما نتحدث عن كل شئ إلا المواطن نفسه فقررت ان اكتب عن الحقيقه فى زمن الحرب بعين المواطن
فإذا كان الإعلام يخوض معركته الخاصة، فإن المواطن يقف في قلب ساحة أخرى، أكثر ارتباكًا وأشد قسوة: ساحة البحث عن الحقيقة وسط الضجيج.
المواطن في زمن الحرب لا يملك رفاهية التحليل البارد، ولا الوقت الكافي لتمحيص كل رواية. هو يتلقى الأخبار وهو خائف، قلق، ومشحون بمشاعر متضاربة. في هذه الحالة، لا تكون الحقيقة دائمًا ما يبحث عنه، بل ما يطمئنه… أو ما يبرر مخاوفه.
يستيقظ على خبر، ويتبعه بآخر يناقضه، ثم يرى فيديو يُكذّب الاثنين معًا. تتراكم الروايات، وتتصادم داخل ذهنه، فيبدأ في بناء “حقيقته الخاصة”؛ حقيقة لا تعتمد فقط على الوقائع، بل على ما اختياره فيما يصدقه.
وهنا تكمن المفارقة: المواطن لا يتعرض فقط للتضليل، بل يشارك – دون أن يشعر – في صناعته. حين يعيد نشر خبر غير مكتمل، أو يتبنى رواية دون تحقق، أو ينحاز لما يتفق مع قناعاته المسبقة، فإنه يضيف طبقة جديدة فوق الحقيقة، تجعل الوصول إليها أكثر صعوبة.
لكن الأمر ليس بهذه البساطة. فالمواطن، في جوهره، ضحية لتراكمات أكبر منه. هو محاصر بين إعلام موجّه، ومنصات سريعة، وخوارزميات تدفع له ما يشبهه لا ما يصححه. يرى العالم من نافذة ضيقة، فيظن أنها الصورة الكاملة.
ومع الوقت، لا يصبح السؤال: “ما الحقيقة؟”
بل يتحول إلى: “أي رواية أصدق؟”
ثم إلى ما هو أخطر: “أي رواية أريد أن أصدقها؟”
في هذه اللحظة، تتحول الحقيقة من كونها واقعًا موضوعيًا، إلى مساحة صراع داخل وعي الإنسان نفسه.
ورغم ذلك، يظل هناك هامش للمقاومة الواعية
مواطن يشك قبل أن يصدق، يتوقف قبل أن يشارك، ويسأل قبل أن ينحاز.
مواطن يدرك أن الحقيقة في زمن الحرب لا تأتيه جاهزة، بل تحتاج إلى جهد، وصبر، وقدرة على تحمّل الغموض.
لأن أخطر ما تفعله الحروب، ليس فقط ما تتركه من دمار على الأرض…
بل ما تزرعه من ارتباك داخل العقول.
وهنا، يصبح وعي المواطن ليس مجرد خيار،
بل خط الدفاع الأخير عن الحقيقة