عاجل

من السياسية للأقتصاد.. تحديات غير مسبوقة تنتظر أمين الجامعة العربية الجديد

جامعة الدول العربية
جامعة الدول العربية

مع تولي السفير نبيل فهمي مهام منصبه أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، يواجه واقعًا عربيًا بالغ التعقيد، تتشابك فيه الأزمات السياسية مع التحديات الاقتصادية والانقسامات الإقليمية. ويأتي هذا التكليف في لحظة فارقة تتطلب إعادة تقييم دور الجامعة العربية وقدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة في المنطقة.

وتتصدر قائمة التحديات التي تنتظر الأمين العام الجديد ملفات النزاعات الممتدة في عدد من الدول العربية، إلى جانب تراجع مستوى التنسيق السياسي بين العواصم العربية، واستمرار الخلافات التي ألقت بظلالها على فاعلية العمل العربي المشترك. كما يبرز التحدي الاقتصادي، في ظل الحاجة إلى تعزيز التكامل العربي وجذب الاستثمارات، مقابل استمرار تدفق رؤوس الأموال العربية إلى الخارج.

وفي ظل هذه المعطيات، تزداد أهمية تطوير آليات عمل الجامعة، وتعزيز دورها كمنصة للحوار وصياغة التوافقات، بما يواكب طموحات الشعوب العربية. ويبقى نجاح السفير نبيل فهمي في مهمته مرهونًا بقدرته على تحقيق التوازن بين إدارة الخلافات، ودفع مسارات التعاون، في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ العمل العربي المشترك.

 

ومن جانبه أكد السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن اختيار السفير نبيل فهمي أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية يُعد خطوة طبيعية تتسق مع التقاليد المستقرة داخل الجامعة منذ تأسيسها.

اختيار يعكس تقاليد راسخة

قال بيومي، في تصريحا خاص لنيوز رووم، إن العرف جرى داخل جامعة الدول العربية، على مدار أكثر من 75 عامًا، على أن يكون الأمين العام من دولة المقر، وهي مصر، مشيرًا إلى أن هذا التقليد لم يُكسر إلا لفترة مؤقتة خلال نقل مقر الجامعة إلى تونس، حيث تم اختيار أمين عام من دولة المقر آنذاك.

وأضاف أن نبيل فهمي يُعد الأمين العام التاسع، وأن معظم من شغلوا هذا المنصب قبله كانوا من الشخصيات المصرية البارزة، وغالبًا ما تولوا حقيبة وزارة الخارجية، لافتًا إلي أن نبيل فهمي ينتمي إلى مدرسة دبلوماسية عريقة، متأثرًا بخبرة عمرو موسى، لكنه يتميز بأسلوب مختلف يقوم على الدراسة المتعمقة والتحليل قبل اتخاذ القرار.

وأضاف مساعد وزير الخارجية، أن فهمي كان من أبرز الكوادر في وزارة الخارجية، وشارك في ملفات مهمة، على رأسها ملف العلاقات مع إسرائيل، لافتًا إلى دوره في متابعة تفاصيل دقيقة خلال مفاوضات حساسة، وهو ما يعكس قدرته على إدارة القضايا المعقدة.

الجامعة العربية «مظلومة» في تقييمها

وأكد بيومي أن جامعة الدول العربية تتعرض لقدر من الظلم في تقييم أدائها، موضحًا أن البعض يطالبها بأدوار تتجاوز طبيعتها، مثل التدخل العسكري أو حسم الصراعات بشكل مباشر، لافتًا إلي أن الجامعة ليست كيانًا عسكريًا، بل منظمة إقليمية تهدف إلى التنسيق والتعاون، وأن هذا النموذج يتشابه مع تجارب دولية مثل الاتحاد الأوروبي، الذي لا يمتلك جيشًا موحدًا.

إنجازات اقتصادية غير مرئية

وأشار إلى أن هناك إنجازات مهمة تحققت في إطار العمل العربي المشترك، لكنها لا تحظى بالاهتمام الكافي، من بينها تحرير تجارة السلع بين الدول العربية، ما أدى إلى زيادة الصادرات البينية بشكل ملحوظ.

وأضاف أن هناك تقدمًا أيضًا في مجالات خدمات النقل والطيران والعمل، حيث يعمل ملايين العرب في دول عربية أخرى، إلى جانب حرية حركة رؤوس الأموال وانتشار البنوك العربية عبر الحدود.

التحدي: استكمال التكامل العربي

وعن التحديات التي تواجه السفير نبيل فهمي في الجامعة العربية، أوضح بيومي أن ما ينقص منظومة العمل العربي هو استكمال «الحرية الرابعة» المتعلقة بحرية انتقال الأفراد بين الدول العربية، معتبرًا أن تحقيق هذا الهدف سيمثل نقلة نوعية في التكامل الإقليمي، كما أن التجربة الأوروبية تقدم نموذجًا ملهمًا في هذا الإطار، حيث نجحت في إزالة الحدود بين الدول الأعضاء بشكل شبه كامل.

تحسين بيئة الاستثمار أولوية

وشدد على أن من أبرز الملفات التي يجب أن تحظى باهتمام الأمين العام الجديد، العمل على تحسين بيئة الاستثمار داخل الدول العربية، بما يسهم في جذب رؤوس الأموال العربية التي تُستثمر حاليًا في الخارج.

وأضاف أن حجم الاستثمارات العربية في الخارج ضخم مقارنة بما يتم ضخه داخل المنطقة، وهو ما يتطلب تطوير البنية التحتية والإصلاح الإداري لتعزيز الجاذبية الاستثمارية.

الخلافات ليست عائقًا حاسمًا

وأكد بيومي أن وجود اختلافات في الرؤى بين الدول العربية أمر طبيعي، مشيرًا إلى أن دول الاتحاد الأوروبي نفسها تعاني من تباينات أكبر في المصالح، لكنها تنجح في التوصل إلى حلول وسط تحقق التوازن.

وأضاف أن المطلوب عربيًا هو تبني سياسات توافقية تأخذ في الاعتبار مصالح الجميع، بدلًا من التركيز على نقاط الخلاف، مؤكدًا على أهمية تعزيز التواصل الإعلامي لشرح دور جامعة الدول العربية، وتصحيح الصورة الذهنية لدى المواطنين.

 

ومن جانبه علق السفير رخام أحمد حسن على اختيار السفير نبيل فهمي أمينًا عامًا لجامعة الدول العربية، مؤكدًا أن القرار جاء في إطار تقاليد راسخة تعكس طبيعة المنصب وأهميته في العمل العربي المشترك.

اختيار وفق التقاليد الدبلوماسية

وقال السفير رخام أحمد حسن إن اختيار الأمين العام لجامعة الدول العربية جرت العادة فيه على أن يكون من بين الشخصيات التي شغلت مناصب رفيعة، مثل وزارة الخارجية أو رئاسة الحكومة، لافتًا إلي أن السفير نبيل فهمي يُعد دبلوماسيًا محترفًا يتمتع بخبرة واسعة، حيث سبق أن تولى منصب وزير الخارجية، إلى جانب مكانته الأكاديمية حين شغل مناصب قيادية في الجامعة الأمريكية، وهو ما يجمع بين الخبرة العملية والرؤية العلمية.

إجماع عربي يعكس الثقة

وأشار إلى أن ترشيح مصر للسفير نبيل فهمي لم يقابله أي مرشح آخر، على عكس ما كان يحدث في مرات سابقة، وهو ما يعكس وجود توافق عربي مبكر حول شخصه.

وأضاف أن وزراء الخارجية العرب وافقوا على الترشيح بالإجماع، تمهيدًا لرفعه إلى القمة العربية للتصديق النهائي، وهو إجراء يُعد شكليًا في ظل هذا الإجماع.

تحديات كبيرة أمام الأمين العام

وأوضح السفير رخام أحمد حسن أن التحدي الأبرز أمام الأمين العام يتمثل في موقف الدول الأعضاء نفسها، ومدى رغبتها الحقيقية في تفعيل دور الجامعة العربية.

وأضاف أن ضعف دور الجامعة، خاصة في القضايا السياسية، يعود بالأساس إلى غياب الإرادة الجماعية، وهو ما انعكس على أداء الأمناء العامين السابقين، رغم اختلاف خبراتهم.

انقسامات وأزمات مزمنة

وأكد أن الانقسامات العربية الحالية، سواء المعلنة أو الكامنة، تمثل عائقًا رئيسيًا أمام العمل العربي المشترك، إلى جانب الأزمات الممتدة في المنطقة منذ أكثر من عقد، مثل الأزمات في ليبيا وسوريا واليمن والسودان والصومال، لافتًا إلي أن الجامعة العربية لم تتمكن من حل هذه الأزمات، واقتصر دورها في كثير من الأحيان على إدارة الأزمة وليس تسويتها بشكل جذري، مشيرًا إلى تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية في ظل هذه التعقيدات.

ولفت إلى أن الأمين العام، رغم أهميته، يظل دوره إداريًا وتنفيذيًا، حيث يقتصر على إعداد الاجتماعات ومتابعة تنفيذ القرارات، دون أن يكون له حق التصويت.

وأضاف أنه قد يلجأ أحيانًا إلى طرح مبادرات بشكل غير مباشر حتى تتبناها بعض الدول، نظرًا لطبيعة منصبه.

إشكالية الالتزام بالقرارات

وأوضح أن من أبرز مشكلات الجامعة العربية أن قراراتها، حتى وإن صدرت بالأغلبية، تظل غير ملزمة بشكل كامل للدول الأعضاء، التي تملك حرية تنفيذها من عدمه، وهو ما يضعف فعاليتها مقارنة بالمنظمات الإقليمية والدولية الأخرى.

وأشار السفير رخام أحمد حسن إلى أن الجامعة تواجه أيضًا تحديات مالية، نتيجة عدم التزام بعض الدول بسداد اشتراكاتها، ما يحد من قدرتها على القيام بدورها.

الاختلافات ليست في المصالح بل في الرؤى

وأكد أن إضعاف الجامعة العربية لا يعود إلى تضارب المصالح بقدر ما يرتبط باختلاف الرؤى وطرق إدارة الملفات، موضحًا أن المصالح العربية المشتركة تظل قائمة، خاصة في ظل التحديات الإقليمية التي تؤثر على الجميع.

وشدد على أن الدعوات السابقة لإلغاء الجامعة العربية أو استبدالها بكيانات إقليمية أوسع لم تثبت جدواها، مؤكدًا أن هذه الطروحات كانت تستهدف إضعاف الإطار العربي الجامع.

الإصلاح مرهون بالإرادة السياسية

واختتم السفير رخام أحمد حسن تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل جامعة الدول العربية، ودور أمينها العام، يظل مرهونًا في المقام الأول بإرادة الدول العربية الفاعلة.

 

تم نسخ الرابط