الثقافة في مواجهة الأزمات.. جيهان زكي تطرح خريطة الوعي أمام البرلمان
في لحظة تتطلب إعادة تعريف أدوات التأثير في الوعي العام، جاءت كلمة وزيرة الثقافة الدكتورةجيهان زكي، أمام لجنة الإعلام والثقافة والآثار بمجلس النواب، لتكشف عن إدراك واضح لطبيعة المرحلة، حيث لم تعد الثقافة ترفًا مؤجلًا، بل ضرورة استراتيجية ترتبط مباشرة بمفهوم الأمن القومي، هذا الإدراك بدا حاضرًا بقوة في تأكيدها أن الثقافة تمثل «ظهيرًا» للملفات السياسية، خاصة في أوقات الأزمات، وهو توصيف يعكس انتقالًا نوعيًا في النظر إلى الدور الثقافي من كونه نشاطًا مكمّلًا إلى كونه شريكًا في صناعة القرار.
الوزيرة لم تكتف بالطرح النظري، بل سعت إلى تقديم ملامح مشروع متكامل لإعادة هيكلة العمل الثقافي، يقوم على عدة محاور متداخلة، في مقدمتها تحقيق العدالة الثقافية، وهي الفكرة التي بدت مركزية في خطابها، فالوصول إلى «عقول ووجدان المواطنين» في جميع أنحاء الجمهورية لم يطرح كشعار، بل كهدف تنفيذي يرتبط بإعادة توزيع الخدمات الثقافية، خاصة في المحافظات التي ظلت لعقود خارج نطاق التأثير الحقيقي للمؤسسات الثقافية.
وفي هذا السياق، برزت قضية قصور الثقافة باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لجدية هذا التوجه، إذ شددت الوزيرة على ضرورة الانتقال من الشكل إلى المضمون، عبر متابعة ميدانية دقيقة تضمن تفاعل هذه المؤسسات مع الواقع، بدل الاكتفاء بتقارير مكتبية قد لا تعكس الصورة الكاملة، هذا الطرح يكشف عن وعي بإحدى أبرز أزمات العمل الثقافي في مصر، وهي الفجوة بين التخطيط والتنفيذ.
كما حملت الكلمة توجهًا واضحًا نحو تحديث أدوات العمل الثقافي، من خلال التوسع في استخدام التكنولوجيا والتحول الرقمي، وهي خطوة تبدو ضرورية في ظل التحولات العالمية في أنماط التلقي والمعرفة، خاصة لدى الأجيال الجديدة، غير أن هذا التوجه لا ينفصل عن تحد أكبر، يتمثل في قدرة المؤسسات الثقافية على مواكبة هذا التحول دون فقدان هويتها أو دورها التنويري.
ومن اللافت أيضًا إعادة طرح المسرح المدرسي كأحد أدوات بناء الوعي، وهو اختيار يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة التكوين الثقافي المبكر، فالمسرح هنا لا ينظر إليه كوسيلة ترفيه، بل كمنصة لتشكيل اللغة والهوية والانتماء، وهو ما يربط الثقافة بالتعليم في سياق تكاملي، لا يزال يحتاج إلى تفعيل حقيقي على الأرض.
في المقابل، لم تغفل الوزيرة الإشارة إلى التحديات، وعلى رأسها ضعف التنسيق بين الجهات التابعة، وهي إشارة تحمل قدرًا من الشفافية، لكنها تطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول آليات الإصلاح ومدى القدرة على تجاوز التعقيدات البيروقراطية التي طالما أعاقت تطوير العمل الثقافي.
إجمالًا، يمكن قراءة كلمة وزيرة الثقافة باعتبارها محاولة لصياغة خطاب ثقافي جديد، يوازن بين الطموح والواقع، ويراهن على الثقافة كقوة ناعمة قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي. غير أن نجاح هذه الرؤية سيظل مرهونًا بقدرتها على التحول من إطار الخطاب إلى حيز الفعل، حيث تختبر الأفكار لا بما يقال عنها، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس.