بعد الغلق مبكرا.. هل ينجح القرار في إنقاذ الاقتصاد من أزمة الطاقة ؟
في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وأزمة الطاقة التي تلقي بظلالها على مختلف الدول، اتخذت الحكومة قرارًا بغلق المحال التجارية والمطاعم والكافيهات في مواعيد مبكرة والذي بدء تطبيقه من اليوم، ضمن حزمة إجراءات تستهدف ترشيد استهلاك الكهرباء والحفاظ على استقرار المنظومة الاقتصادية.
غلق المحال التجارية مبكرًا
وبينما ترى الحكومة أن الخطوة ضرورية لتقليل الضغط على موارد الطاقة وتفادي أزمات أكبر، تتصاعد تساؤلات حول من سيتحمل التكلفة الفعلية لهذا القرار، خاصة في ظل اعتماد شريحة واسعة من العاملين في هذه القطاعات على دخل يومي غير منتظم، كما يطرح القرار تساؤلًا أوسع حول مدى انعكاسه على الاقتصاد المصري، وهل يمثل حلًا مؤقتًا لاحتواء الأزمة أم عبئًا إضافيًا على النشاط التجاري وحركة السوق، ومن يدفع ثمن هذا القرار؟.
وفي خضم هذا الجدل، تتباين الآراء بين من يعتبر القرار إجراءً احترازيًا يصب في مصلحة الاقتصاد على المدى الطويل، وبين من يراه ضغطًا جديدًا على المواطن والقطاع الخاص، ما يجعل تقييم نتائجه مرهونًا بآليات التطبيق ومدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وحماية الفئات الأكثر تأثرًا.
إجراءات احترازية لمواجهة أزمة الطاقة
ومن جانبه قال النائب أمير الجزار، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، إن قرار الحكومة بغلق المحال التجارية والمطاعم والكافيهات في وقت مبكر يأتي في إطار إجراءات احترازية لمواجهة أزمة الطاقة العالمية، مؤكدًا أن مثل هذه القرارات تُطبق في العديد من الدول المتقدمة، خاصة في أوروبا، دون أن تمثل أزمة كبيرة للمواطنين.
وأوضح الجزار، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن مصر تمر بظروف استثنائية في ظل حالة عدم اليقين التي يشهدها العالم، مشيرًا إلى أن الحكومة تسعى إلى ترشيد استهلاك الطاقة والحفاظ على استقرار القطاعات الإنتاجية، قائلًا: "الأولوية اليوم هي استمرار عجلة الإنتاج وعدم تأثر المصانع، حتى لو كان ذلك على حساب بعض الأنشطة الأخرى بشكل مؤقت".
القرار سيكون له تأثير اقتصادي على بعض الفئات
وأشار عضو اللجنة الاقتصادية إلى أن القرار سيكون له تأثير اقتصادي على بعض الفئات، خاصة العاملين في القطاعات ذات العمالة غير المنتظمة، لكنه شدد على أن المصلحة العامة تقتضي قدرًا من التكاتف وتحمل الأعباء في هذه المرحلة، مضيفًا أن تغيير أنماط الحياة، مثل التبكير في مواعيد العمل والشراء، يمكن أن يخفف من حدة التأثير.
وأكد الجزار أن القرار بطبيعته مؤقت، ولا يمكن استمراره على المدى الطويل، خاصة مع اختلاف طبيعة الحياة في مصر مقارنة بالدول الأوروبية، لافتًا إلى أن تطبيقه يجب أن يكون مرنًا ويتناسب مع طبيعة المواسم، خصوصًا مع دخول فصل الصيف.
تجنب اللجوء إلى تخفيف الأحمال أو انقطاع الكهرباء
وأضاف أن الهدف الأساسي من القرار هو تجنب اللجوء إلى تخفيف الأحمال أو انقطاع الكهرباء، مشيرًا إلى أن ترشيد الاستهلاك في ساعات الذروة سيساهم بشكل مباشر في تحقيق هذا الهدف.
وفيما يتعلق بحماية الفئات المتضررة، أشار الجزار إلى ضرورة أن تعمل الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات المرحلة الاقتصادية الصعبة واحتياجات المواطنين، مؤكدًا أن التحدي الأكبر يكمن في إدارة الموارد بشكل يضمن استقرار الدولة وتقليل الأعباء قدر الإمكان، مؤكدً على أن هذه الإجراءات ستظل مرتبطة بانتهاء الأزمة العالمية ووضوح الرؤية بشأن مصادر الطاقة، معربًا عن أمله في تجاوز هذه المرحلة في أقرب وقت ممكن، وعودة الأوضاع إلى طبيعتها.
غياب الرؤية الاقتصادية المتكاملة
أكد الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن قرار الحكومة بغلق المحال في الساعة التاسعة مساءً يعكس غياب الرؤية الاقتصادية المتكاملة، مشيرًا إلى أن مثل هذه القرارات قد تحقق وفورات محدودة على مستوى استهلاك الطاقة، لكنها في المقابل تُكبد الاقتصاد خسائر أكبر بكثير.
توفير محدود مقابل خسائر ضخمة
وأوضح عبده، في تصريحات خاصة لـ نيوز رووم، أن الحكومة تتعامل مع الملف بمنطق "التاجر غير الكفء" الذي يسعى لتوفير مبالغ بسيطة، بينما يتسبب في خسائر مضاعفة، مضيفًا أن توقيت الإغلاق لا يتماشى مع طبيعة الحياة اليومية للمصريين، الذين يبدأون نشاطهم الاستهلاكي في المساء بعد انتهاء ساعات العمل.
ضربة قاسية للمطاعم والكافيهات
وأضاف الخبير الاقتصادي أن القرار يوجه ضربة مباشرة لقطاع المطاعم والكافيهات، التي تعتمد بشكل أساسي على فترات المساء لتحقيق أعلى إيراداتها، لافتًا إلى أن إجبار هذه الأنشطة على الإغلاق المبكر "يخرب بيوت" آلاف العاملين بها، خاصة من أصحاب العمالة غير المنتظمة.
المحال التجارية في مواجهة غير عادلة مع الأونلاين
وأكد عبده، أن المحال التجارية تعاني بالفعل من منافسة شرسة مع التجارة الإلكترونية، وكانت تعتمد على ساعات المساء لجذب الزبائن، مضيفًا أن الإغلاق في هذا التوقيت يحرمها من أهم فترات البيع، ويزيد من صعوبة استمرارها في السوق.
تأثير سلبي على السياحة
وأشار إلى أن هذا القرار سيكون له انعكاسات سلبية على القطاع السياحي، موضحًا أن السائح يبحث عن أجواء حيوية وحياة ليلية، وهو ما يتعارض مع فرض إغلاق مبكر للأنشطة التجارية، مضيفًا أن ذلك يقلل من جاذبية المقصد السياحي المصري.
قرارات غير مدروسة
وشدد عبده على أن مثل هذه القرارات تعكس غياب الكفاءة في إدارة الملفات الاقتصادية، مؤكدًا أن الحكومة تركز على تحقيق وفورات محدودة في الكهرباء، دون النظر إلى حجم الخسائر التي قد تصيب الاستثمار والنمو الاقتصادي.
العمالة غير المنتظمة تدفع الثمن
وأضاف أن المتضرر الأكبر من القرار هم العاملون في القطاعات الخدمية، خاصة العمالة غير المنتظمة، متسائلًا عن آليات تعويضهم في ظل تراجع مصادر دخلهم، مؤكدًا أن هذه الفئات ستتحمل العبء الأكبر من تداعيات القرار، مؤكدًا على أن القرار لا يحمل إيجابيات تُذكر، سوى تحقيق وفر محدود في استهلاك الطاقة، مقابل خسائر كبيرة في قطاعات التجارة والسياحة والخدمات، مشددًا على ضرورة إعادة النظر فيه ووضع سياسات أكثر توازنًا تدعم الاقتصاد بدلًا من إضعافه.
ومن جانبه أكد الدكتور كريم العمدة، الخبير الاقتصادي، أن قرار الحكومة بغلق المحال التجارية في الساعة التاسعة مساءً ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة، مشيرًا إلى أن أصحاب المحال هم الفئة التي ستتحمل العبء الأكبر من هذا القرار.
"المتضرر الأول هو التاجر"
وأوضح العمدة في تصريحا خاص لـ نيوز رووم، أن أصحاب الأنشطة التجارية سيتأثرون بشكل واضح نتيجة تقليص ساعات العمل، إلا أنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هذا التأثير يمكن تعويضه من خلال تعديل مواعيد التشغيل وفتح المحال في ساعات مبكرة من اليوم، وخاصة وأن استمرار فتح المحال حتى ساعات متأخرة من الليل، كما كان يحدث سابقًا، يُعد في حد ذاته سياسة غير صحيحة، مؤكدًا أن ما يحدث الآن هو محاولة لتصحيح مسار خاطئ، وإن جاء ذلك في توقيت مرتبط بالأزمة الحالية.
ترشيد الاستهلاك هو الدافع الأساسي
وأكد العمدة أن الهدف الرئيسي من القرار هو ترشيد استهلاك الكهرباء، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بإمدادات الطاقة، موضحًا أن قطاع الكهرباء يعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي، وهو ما يفرض ضغوطًا على الدولة في أوقات الأزمات.
"بديل عملي: افتح مبكرًا"
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن الحل يكمن في إعادة تنظيم ساعات العمل، بحيث يتم تعويض ساعات المساء بساعات صباحية، مشددًا على أن فكرة الاعتماد على النشاط الليلي فقط ليست نموذجًا اقتصاديًا سليمًا، وأن العديد من دول العالم تنهي أنشطتها التجارية في وقت مبكر.
العمالة يمكن استيعابها بتغيير النمط
وفيما يتعلق بتأثير القرار على العمالة، خاصة غير المنتظمة، أشار العمدة إلى أن إعادة توزيع ساعات العمل قد تساهم في الحد من الخسائر، كما أن التكيف مع النظام الجديد يتطلب تغييرًا في نمط الحياة والعمل، وليس فقط الاعتماد على الساعات الليلية.
تقييم اقتصادي مرهون بالأرقام
وأوضح أن الحكم النهائي على مدى نجاح القرار اقتصاديًا يتوقف على الأرقام الفعلية التي ستظهر لاحقًا، مثل حجم الوفر في استهلاك الكهرباء، مشيرًا إلى أن هذه البيانات ستحدد ما إذا كان القرار حقق أهدافه أم لا، لافتًا إلي أنه يفضل استمرار تطبيق هذا القرار بشكل دائم، لما له من دور في إعادة الانضباط إلى الشارع وتنظيم مواعيد العمل، مشيرًا إلى أن تحديد مواعيد واضحة لغلق المحال حتى التاسعة أو العاشرة مساءً يُعد أمرًا طبيعيًا ومعمولًا به في العديد من الدول، باستثناء المناطق السياحية التي لها طبيعة خاصة.