بعد توجيهات تيسير التصالح.. هل تنجح الحكومة في طي أكثر الملفات تعقيدًا؟ | خاص
بعد توجيهات مدبولي لتيسير التصالح.. هل تنجح الحكومة في طي أكثر الملفات تعقيدًا؟ |خاص
وجّه مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بتيسير إجراءات التصالح في مخالفات البناء، بهدف غلق هذا الملف بشكل نهائي في أقرب وقت ممكن، مع التوسع في تبسيط إجراءات تسجيل الوحدات السكنية دون تعقيدات إدارية، وذلك خلال الاجتماع الأسبوعي للحكومة بمقرها في العاصمة الإدارية الجديدة، أمس.
وأكد رئيس الوزراء أهمية تسهيل الإجراءات أمام المواطنين لتقنين أوضاعهم، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على هيبة الدولة ومراعاة البعد الاجتماعي.
في البداية قال ناجى الشهابي، رئيس حزب الجيل، وعضو مجلس الشيوخ، إن توجيهات رئيس مجلس الوزراء بتيسير إجراءات التصالح في مخالفات البناء، والتسهيل على المواطنين في تسجيل الوحدات السكنية، تمثل اعترافًا صريحًا بأن هذا الملف طال أمده، وأرهق ملايين المواطنين، وأصبح عبئًا حقيقيًا على الاستقرار المجتمعي.
تعقيد الإجراءات
وأكد الشهابي، في تصريحات خاصة، أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في تعقيد الإجراءات، وإنما في فلسفة التعامل مع الملف منذ بدايته، والتي غلب عليها الطابع الإداري الصارم دون مراعاة كافية للواقع الاجتماعي والاقتصادي، وهو ما أدى إلى عزوف قطاعات واسعة من المواطنين عن التقدم للتصالح، رغم حاجتهم الملحة لتقنين أوضاعهم.
وأشار إلى أن أي حديث عن “غلق الملف” يجب أن يكون واقعيًا ومنضبطًا، لأن هذا الملف متشابك ومعقد، ويتعلق بحقوق سكنية لملايين الأسر، ولا يمكن حسمه بقرارات إجرائية فقط، مهما بلغت درجة التيسير، إذا لم يصاحبه تعديل حقيقي في آليات التنفيذ، وتبسيط جذري في الاشتراطات، وإعادة النظر في التكاليف التي لا تزال تمثل عبئًا على محدودي ومتوسطي الدخل.
عوامل حاسمة
وأوضح الشهابي أن نجاح الحكومة في إنهاء هذا الملف مرهون بعدة عوامل حاسمة، في مقدمتها، وضع أسعار عادلة ومناسبة لقيم التصالح تراعي الظروف الاقتصادية الصعبة، وتوحيد جهة التعامل مع المواطن لإنهاء حالة التشتت بين الجهات المختلفة، وتقليص الدورة المستندية والحد من البيروقراطية التي تُفقد أي قرار إصلاحي مضمونه، وتقديم ضمانات واضحة للمواطن بأن تقنين وضعه سيحميه نهائيًا من أية ملاحقات مستقبلية.
وأضاف أن التيسير الحقيقي لا يقاس بعدد القرارات الصادرة، وإنما بمدى شعور المواطن بأن الدولة تقف إلى جواره، لا في مواجهته، وأن الهدف هو تقنين الواقع لا معاقبة الناس على أخطاء تراكمت عبر سنوات طويلة من غياب التخطيط العمراني الرشيد.
وشدد الشهابي على أن ملف التصالح في مخالفات البناء لا يجب التعامل معه كإجراء إداري يُراد إغلاقه سريعًا، بل كقضية اجتماعية واقتصادية تحتاج إلى معالجة شاملة، توازن بين هيبة الدولة وحقوق المواطنين.
واختتم الشهابي تصريحه بالتأكيد على أن الحكومة قد تنجح في تخفيف حدة الأزمة إذا صدقت نوايا التيسير، لكنها لن تنجح في “غلق الملف تمامًا” إلا إذا تحولت من منطق الجباية إلى منطق التنظيم، ومن التعقيد إلى التبسيط، ومن الضغط على المواطن إلى دعمه وتمكينه من تقنين وضعه في إطار عادل وإنساني.
من جانيه قال الدكتور صبري الجندي، مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق، إن التوجيهات الصادرة من رئيس مجلس الوزراء بشأن تيسير الإجراءات الخاصة بملف التصالح في مخالفات البناء تعكس رغبة حقيقية في إنهاء هذا الملف المزمن، إلا أن نجاحها يتوقف على آليات التنفيذ على أرض الواقع.
وأوضح الجندي، في تصريحات خاصة، أن ملف التصالح في مخالفات البناء يُعد من الملفات الممتدة منذ عام 2017، مشيرًا إلى أن القانون تم تعديله ثلاث مرات، مع تقديم المزيد من التسهيلات في كل مرة، ورغم ذلك لا يزال الإقبال على التصالح محدودًا.
وأضاف أن الحكومة كانت قد ألمحت في مراحل سابقة إلى إجراءات صارمة مثل إزالة الوحدات المخالفة أو قطع المرافق عنها، قبل أن يتم التراجع عن هذه التوجهات، وهو ما أضعف الدافع لدى المخالفين لتقنين أوضاعهم، قائلاً: “المخالف لا يجد حافزًا حقيقيًا يدفعه للتصالح طالما أنه يعيش في وضع قائم ومستقر”.
وأشار مستشار وزير التنمية المحلية الأسبق إلى أن أحد أبرز التحديات يتمثل في بطء البت في طلبات التصالح، لافتًا إلى أن نحو 2.8 مليون طلب تم تقديمها منذ بداية تطبيق القانون، مع سداد 25% مقدمًا، إلا أن عدداً كبيرًا منها لم يُحسم حتى الآن، وهو ما أدى إلى حالة من فقدان الثقة لدى المواطنين.
وأكد الجندي أن استمرار هذا النهج يؤدي إلى عزوف المزيد عن التقدم بطلبات التصالح، موضحًا أن من حصلوا على نماذج تصالح لم يتمكن بعضهم من استكمال الإجراءات أو الحصول على رخص بناء، ما أضعف جدوى التجربة.
وشدد على أن إنهاء هذا الملف بشكل نهائي يتطلب تطبيقًا صارمًا للقانون، وتسريع فحص الطلبات، إلى جانب اعتبار نموذج التصالح بمثابة رخصة بناء معترف بها، مع تفعيل العقوبات على المخالفين غير المتقدمين للتصالح، مؤكدًا أن “الحسم والجدية في التنفيذ هما الطريق الوحيد لغلق هذا الملف بشكل نهائي”.