عاجل
تامر عبدالمنعم
تامر عبدالمنعم

لم أكن معتادًا أن يوقظني هاتفي في هذا الوقت المبكر من النهار؛ فقد كانت الساعة تشير إلى السابعة وخمس دقائق انتفضت في هلعٍ والتقطت المحمول، وما ان وقع بصري على اسم الأستاذ حتى تسلّل إليّ شيء من الطمأنينة؛ إذ اعتاد أن يوقظني في مثل هذا التوقيت أحيانًا.

– ألو؟
– إنت لسه نايم؟
– خير يا أستاذ، حضرتك كويس؟
– قوم اغسل  وشك وتعالى خدني من البيت… عاوزك ضروري.

انتهت المكالمة، وبقي صداها يتردد في رأسي ؛ نهضت مسرعًا وانزلقت تحت الدش كأن الماء سيوقظ فيّ فهمًا لما يحدث ولم تمضِ أكثر من ثلث ساعة حتى كنت قد ارتديت ملابسي وغادرت منزلي في الدقي وبعد عشر دقائق فقط كنت أقف أسفل بنايته في شارع النخيل بحي المهندسين.

استقبلني أمين الشرطة المكلّف بحراسة مقر الأستاذ بابتسامة خفيفة، وقال:
– اتأخرت ليه يا أستاذ تامر؟ الأستاذ سأل عليك مرتين.

أجبته وأنا أحاول كتم لهفتي:
– بلّغه إني وصلت .

وقفتُ أنتظر نزوله ؛ أرقب باب البناية وكأن الزمن قد تباطأ فجأة وكانت الدقائق تمر ثقيلة وفضولي يزداد مع كل لحظة صمت ؛ لم يكن هذا الاستدعاء عاديًا وشعرت أن شيئًا جللًا على وشك أن يُكشف.

نزل الأستاذ وخلفه أمين الشرطة يحمل حقيبته «السامسونايت» الشهيرة تلك التي لم تفارقه في كل تنقلاته وأسرعتُ نحو السيارة وفتحت له الباب في هدوء، ثم وضعت الحقيبة بعناية إلا أن شيئًا ما استوقفني ؛ غياب أفراد طاقم الحراسة المعتادين لمرافقته وكان المشهد ناقصًا على غير عادته ؛ لم أتمالك نفسي فسألته عنهم فأجابني باقتضابٍ لا يخلو من حسم:
– أنا ما بلغتش إني هنزل بدري… اطلع على الفندق ..

جلستُ خلف عجلة القيادة وانطلقتُ بالسيارة نحو الفندق ؛ ذلك المكان الذي يعرفه الجميع في الأوساط الفنية والإعلامية بوصفه معقل إبداع الأستاذ ومقره حيث اعتاد منذ أكثر من ربع قرن أن يجلس إلى طاولته الشهيرة في المطعم المطل على النيل يكتب ويتأمل ويصوغ أفكاره التي طالما صنعت أثرًا لا يُمحى سواء بالسينما او التليفزيون او من خلال مقالاته.

وإذا به يفتح حقيبته المعمرة بأقلام من كل صنف ولون وألوان الأوراق التي يكتب عليها ودبابيس ملونة وأدوات مكتبية اختيرت بعناية فائقة ؛ أخرج الأستاذ من أحد الجوارب ورقة مطوية ومدها إلى يدي وأمرني أن أقرأها ثم استدار بوجهه سارحًا في نهر النيل كأن أفكاره تسبح بعيدًا مع صفحات النهر.

شرعتُ في القراءة فوجدتُ أنه مقالٌ يحمل عنوان: «المركب بتغرق يا قبطان!!». اختلستُ إليه نظرة سريعة فإذا به ما يزال شاردًا بعينيه نحو النيل وقبل أن أستجمع دهشتي جاء صوته حاسمًا دون أن يلتفت نحوي:
– كمّل قراية ..

أكملتُ القراءة وكان ملخصه أن الأستاذ وحيد قد شرع في كتابة فيلم سينمائي عن عبارة «السلام» التي غرقت عام 2006 الأمر الذي دفعه إلى تفريغ ما ورد في الصندوق الأسود للسفينة وأخذ يسرد في مقاله أن صوت القبطان في قمرة القيادة كان مرتفعًا كما نقلته التسجيلات وهو يصرخ: «لفّ الدومان شمال!» فتتردد خلفه أصوات عديدة تكرر الأمر ذاته ؛ بينما كان هناك صوتٌ خافت يأتي من بعيد مفعم بالحسرة يقول: «المركب بتغرق يا قبطان »

تمازجت الأصوات واختلطت الأوامر حتى ابتلعت المياه السفينة ثم أنهى الأستاذ مقاله بفكرة بدت كأنها خلاصة العمر: أحيانًا يكون الصوت البعيد الضعيف هو صوت الحقيقة وأن علينا أن نصغي إليه قبل فوات الأوان . واختتم كلماته بعبارةٍ حاسمة: «حقًا… المركب بتغرق يا قبطان».

رفعتُ رأسي نحوه، مدركًا أنه لم يكن يكتب عن واقعةٍ مضت، بل عن واقع يخشى أن يتكرر ؛ إنه وحيد حامد يا سادة يخاطب القبطان ويحذّره متوقعاً الغرق وما أدراك بتوقعات الأستاذ وحيد .

ساد صمتٌ ثقيل لبرهة قبل أن يستدير نحوي ويسأل بنبرةٍ تختلط فيها الجدية بشيءٍ من القلق:
– أبعت المقال… ولا بلاش ممكن أتحبس؟!

نظرتُ إليه بثبات وقلت في حسم :
  – بلاش
- ليه ؟! 
- ده مقال يحبس اللي كتبه وكل اللي هيقراه !! بلاش منه يا استاذ
مد يده نحو علبة سجائري وأخذ سيجارة ووضعها في فمه الأمر الذي ادهشني : فهو مريض قلب وقد اقلع عن التدخين منذ سنوات !! امسك بالولاعة ولم يشعل السيجارة بل مدها نحوي فأمسكت بها في استغراب بينما هو قد استدار مجددا نحو النهر والسيجارة في فمه وظل صامتًا لحظة وكأنه يزن الأمر في داخله ثم قال بصوتٍ خافت وقد غلبه ما يشعر به:
– احرقه .. 
أشعلتُ طرف الورقة بولاعتي وأخذنا ننظر إليها وهي تحترق ببطء، حتى صارت رمادًا بالمنفضة التي تتوسطنا  وظل المعنى رغم كل شيء، حيًا لا يحترق وكانت ٢٠١١ !!

تم نسخ الرابط