باحثة توضح معنى التصوف الشرعي وجوهر الإحسان المستمد من الكتاب والسنة
طرحت الباحثة في الشأن الديني هند صلاح تساؤلًا حول حقيقة "التصوف"، في ظل ما يشهده المفهوم من تباين بين إفراط بعض المنتسبين إليه وخروجهم عن جادة الشريعة، وتفريط آخرين ينكرونه جملة وتفصيلًا، ما يؤدي إلى غياب الرؤية الوسطية التي تعكس حقيقته.
وأوضحت أن التصوف الصحيح لا يرتبط بطقوس مبتدعة أو ممارسات خيالية، بل يتمثل في مقام "الإحسان" الذي لخصه النبي ﷺ بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، باعتباره جوهر العلاقة بين العبد وربه.
وأشارت إلى أن التصوف في أصله هو "علم التزكية"، المستمد من توجيهات القرآن الكريم، استنادًا إلى قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}، مبينة أن هذا العلم يُعنى بإصلاح القلوب وتحقيق الإخلاص، في مقابل علم الفقه الذي يركز على ضبط الجوارح وصحة العبادات الظاهرة.
واستشهدت بأقوال الإمام الجنيد البغدادي، الذي أكد أن طريق التصوف "مقيد بأصول الكتاب والسنة"، مشددًا على أن العلم الصحيح يقوم على حفظ القرآن والحديث والتفقه، وأن أي تجربة روحية لا يشهد لها الوحي تُعد باطلة، وأي كشف يخالف الشريعة هو ضلال.
وأكدت أن التصوف عند السلف لم يكن مجرد نظريات، بل سلوكًا عمليًا وحياة يومية قائمة على الاقتداء بالنبي ﷺ وصحابته، مستعرضة نماذج من أئمة الزهد والتزكية.
فالإمام الفضيل بن عياض قدم نموذجًا في الورع والخوف من الله، حيث عرف الزهد بأنه القناعة والرضا، دون انقطاع عن الحياة أو تقصير في حقوق الناس.
كما جسد الإمام سفيان الثوري مفهوم التصوف العملي، حين اعتبر أن العلم وسيلة لتقوى الله، لا للمباهاة، مؤكدًا أن الغاية من المعرفة هي العمل والخشية.
أما ذو النون المصري، فقد جمع في تعريفه للصوفي بين حق الله وحق الخلق، معتبرًا أن الصوفي هو من لا ينشغل عن الله بشيء، ولا يسيء إلى الناس بسوء خلقه، وهو ما يعكس التوازن بين العبادة والسلوك الإنساني.
الاقتداء بالنبي في الخلوة والجلوة
وبينت الباحثة أن التصوف الصحيح يقوم على الاقتداء الكامل بالنبي ﷺ، سواء في خلوته أو جلوته، حيث يتمثل في العبادة والذكر وقيام الليل، إلى جانب حسن الخلق والرحمة بالناس والسعي في قضاء حوائجهم.
وأضافت أن الصوفي الحقيقي هو "الفقيه العامل"، الذي يجمع بين الالتزام بأحكام الشريعة ونقاء القلب، ويجاهد نفسه كما يجاهد المنكر في مجتمعه، معتبرًا أن الطريق إلى الله لا يكون إلا باتباع هدي النبي ﷺ.
وأكدت على أن انتقاد التصوف بسبب أخطاء بعض المنتسبين إليه هو مجافاة للعدل؛ فالدين يُعرف بأصوله لا بجهل أدعيائه.
ولفتت إلى أن العالم المعاصر في حاجة إلى هذا التصوف الأخلاقي الذي يسهم في تهذيب السلوك وتزكية النفس، ويعيد التوازن الروحي في مواجهة النزعات المادية، من خلال ترسيخ قيم الصدق مع الله، والرفق بالناس.



