عاجل

بعد غلق 7 ممرات جوية.. الممرات البرية تحمي التجارة والإمدادات الحيوية

صورة أرشيفية - شاحنة
صورة أرشيفية - شاحنة تنقل مواد غذائية

أعادت الحرب الإيرانية-الأمريكية الراهنة رسم قواعد الأمن القومي الاقتصادي في الشرق الأوسط بشكل جذري، فبينما يتبادل الطرفان القصف الصاروخي عبر السماء التي باتت محرمة على الطيران المدني، انخرطت دول المنطقة في سباق محموم لتأمين "ظهيرها البري".

ومع خفض القدرة الجوية العالمية لنقل البضائع بنسبة 18% في أسابيع قليلة، تحولت موانئ البحر الأحمر مثل جدة)والخليج العربي عبر موانئ عُمان إلى جسور لوجستية برية بديلة تتدفق عبرها الشاحنات والقطارات، ضامنةً استمرار سلاسل الإمداد المدنية والعسكرية غير المباشرة رغم الحصار الجوي والبشري الجزئي.

حجم الإغلاق وتأثيره الكمي على حركة التجارة

بات يعاني العالم من شلل شبه تام في مضيق هرمز، حيث انخفضت حركة الناقلات بنسبة 70% في الأيام الأولى قبل أن تتوقف تماماً، مما تسبب في احتجاز أو تحويل مسار أكثر من 150 ناقلة عملاقة، ليدفع نحو تجميد تدفق 20 مليون برميل نفط يومياً، ودفع شركات عالمية كبرى مثل ميرسك وقطرالوم لإعلان حالة القوة القاهرة.

وفي غضون ذلك، أدى إغلاق المجالات الجوية فوق إيران والعراق وإسرائيل والأردن ودول الخليج إلى إلغاء آلاف الرحلات، ما رفع أسعار الشحن الجوي بنسبة تراوحت بين 6% و15%، وخلق فجوة لوجستية هائلة هددت بتوقف إمدادات الأدوية وأشباه الموصلات والإلكترونيات بشكل كامل.

المبادرة السعودية لفتح ممرات لوجستية بديلة

في استجابة سريعة للأزمة، أعلن وزير النقل السعودي ورئيس هيئة الموانئ "موانئ" صالح بن ناصر الجاسر، في الجاري، إطلاق مبادرة كبرى للممرات اللوجستية البرية انطلاقاً من الموانئ الغربية على البحر الأحمر.

وتعتمد المبادرة على القدرة الاستيعابية الضخمة لمينائي جدة الإسلامي والملك عبدالله برابغ، والتي تتجاوز 17 مليون حاوية سنوياً.

وتعمل هذه الآلية على استقبال الشحنات المحولة من الخليج العربي ونقلها برياً عبر الشاحنات وسكك الحديد إلى الأسواق الخليجية في الرياض والدمام والكويت وأبوظبي ودبي، وهو ما سمح بتحويل مئات الآلاف من الحاويات شهرياً وتقليل الضغط الخانق على الممرات المائية المتضررة.

حراك الممرات البرية النشطة في دول الجوار

لم تقتصر جهود الإنقاذ اللوجستي على الجانب السعودي، بل أعلنت غرفة تجارة قطر في 8 مارس عن تفعيل ممر بري استراتيجي عبر الحدود السعودية باستخدام نظام الترانزيت الدولي "TIR" لضمان استمرار تدفق السلع الحيوية.

وبالتزامن مع ذلك، تم تفعيل "الممر الأخضر" بين عُمان والإمارات لنقل الحاويات من موانئ صحار والسيب إلى جبل علي في دبي. وعلى الرغم من التحديات الأمنية وعمليات التفتيش المكثفة عند النقاط الحدودية مع الأردن والعراق وتركيا، إلا أن هذه المنافذ ظلت تعمل كصمام أمان، حيث اعتمدت شركات عالمية مثل DHL وCMA CGM نظام النقل متعدد الوسائط لربط الموانئ البديلة بالداخل عبر شبكات السكك الحديدية.

الأهمية الاقتصادية بلغة الأرقام والنتائج

على الرغم من أن النقل البري يعد أغلى بنسبة تتراوح بين 30% إلى 50% من النقل البحري في الظروف الطبيعية، إلا أنه في ظل حرب 2026 حافظ على تدفق سلع لا تحتمل التأخير مثل أدوية السرطان والرقائق الإلكترونية والأسمدة.

وقد تسبب الصراع في رفع رسوم الطوارئ البحرية إلى 3000 دولار للحاوية الواحدة، بينما سجلت أسعار ناقلات النفط أرقاماً قياسية بلغت 423 ألف دولار يومياً.

وهنا برز الدور المحوري للممرات البرية التي استطاعت امتصاص ما يقرب من 25% من حجم التجارة المفقودة جوياً وبحرياً، قياساً على الدروس التاريخية من حرب أوكرانيا 2022، مما منع حدوث نقص حاد في الأسواق الاستهلاكية.

التحديات القائمة ومستقبل الصمود اللوجستي

رغم النجاح في تأمين مسارات بديلة، لا تزال هناك تحديات قائمة تتمثل في الازدحام المتزايد بالموانئ البديلة مثل جدة وصحار والفجيرة، بالإضافة إلى الارتفاع المستمر في تكاليف التأمين والوقود للشاحنات.

ومع ذلك، أثبتت التجربة الحالية أن الدول التي استثمرت مبكراً في البنية التحتية البرية والربط السككي هي الأكثر صموداً في وجه الهزات الجيوسياسية. وتظل المبادرة السعودية والتحركات القطرية والعمانية هي الركيزة التي أنقذت ملايين الأطنان من البضائع من الضياع، مؤكدة أن الممرات البرية في زمن الحروب الشاملة هي ضمانة الأمن القومي الاقتصادي وليست مجرد خيار تكميلي.

تم نسخ الرابط