واقعة كرموز.. كيف تدفع الضغوط النفسية والاجتماعية الإنسان إلى حافة الانهيار؟
تعكس واقعة كرموز الأخيرة مأساة إنسانية عميقة تتجاوز كونها حادثًا فرديًا، لتسبر أغوار الضغوط النفسية والاجتماعية التي قد تدفع الإنسان إلى حافة الانهيار الكامل.
مأساة كرموز
تشير التحليلات النفسية والاجتماعية إلى أن ما حدث لم يكن لحظة طيش أو قرارًا مفاجئًا، بل نتيجة تراكمات نفسية مستمرة، مع غياب الدعم الأسري والمجتمعي، ما أدى إلى شعور بالعجز وانسداد الأفق لدى الأم، التي واجهت مرضًا مزمنًا بمفردها، وتحملت مسؤولية رعاية ستة أطفال في ظل غياب الزوج والدعم المطلوب.
في البداية أكدت الدكتورة ميساء فاضل، أستاذ علم النفس التربوي، أن واقعة كرموز الأخيرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها حادثًا عابرًا، بل تمثل مأساة إنسانية مركبة تعكس حجم الضغوط النفسية التي قد تدفع الإنسان إلى حافة الانهيار الكامل.
غياب الدعم الأسري
وأوضحت فاضل، في تصريحات خاصة، أن الأم كانت تعاني من ظروف قاسية على المستويين الصحي والنفسي، حيث واجهت مرض السرطان بمفردها، بالتزامن مع تحمل مسؤولية رعاية ستة أطفال، وهو ما فاق قدرتها على التحمّل، خاصة في ظل غياب الدعم الأسري بعد تخلي الزوج عنها في لحظة كانت في أمسّ الحاجة إليه.
تراكمات نفسية
وأضافت أن ما جرى لم يكن قرارًا مفاجئًا أو لحظة طيش، بل نتيجة تراكمات نفسية وضغوط ممتدة أدت إلى حالة من الانهيار التدريجي، يفقد فيها الإنسان قدرته على التفكير المنطقي أو رؤية حلول بديلة، مشيرة إلى أن العقل في هذه الحالة قد يزيّف الإدراك، ويقنع صاحبه بأن الهروب من الواقع هو السبيل الوحيد لإنهاء المعاناة.
وشددت أستاذ علم النفس التربوي على أن أخطر ما في هذه الحالات هو شعور الإنسان بانسداد الأفق، واعتقاده أن الألم لا نهاية له، في حين أن الحقيقة تؤكد أن كل أزمة، مهما بلغت شدتها، تحمل في طياتها مخرجًا، وأن الأمل يظل قائمًا حتى في أشد اللحظات قسوة.
ظروف نفسية قاهرة
وأشارت إلى أن التمسك بالإيمان في مثل هذه الظروف لا يعد مجرد جانب روحي، بل يمثل عنصرًا نفسيًا داعمًا يمنح الإنسان القدرة على الصمود، ويعيد إليه الإحساس بوجود معنى للحياة، مؤكدة أن الرجاء في الله يعد من أهم أدوات التوازن النفسي في مواجهة الأزمات.
وفيما يتعلق بالابن الأكبر، أوضحت فاضل أنه لا يمكن التعامل معه باعتباره متهمًا فقط، بل يجب النظر إليه كضحية لظروف نفسية قاهرة، وجد نفسه في قلب مأساة تفوق قدرته العمرية والنفسية، ما أدى إلى تأثره وانكساره تحت وطأة الأحداث.
واختتمت تصريحاتها بالتأكيد على أن هذه الواقعة تمثل جرس إنذار للمجتمع بأكمله، بضرورة الانتباه للحالات الإنسانية من حولنا، وعدم الاستهانة بأهمية الدعم النفسي والكلمة الطيبة، مشددة على أهمية التدخل المبكر ومساندة من يمرون بأزمات، حتى لا يصلوا إلى مراحل خطرة من الانهيار، داعية كل من يمر بلحظات ضعف إلى طلب المساعدة والتحدث مع الآخرين، وعدم الاستسلام للأفكار السلبية التي قد توهمه بأن النهاية هي الحل.
من جانبه أكد الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع، أن العديد من الضغوط الحياتية المتراكمة تجعل البعض يصل إلى حالة من اليأس الشديد، معتقدين أن الانتحار قد يكون وسيلة للهروب من مشكلاتهم.
وأوضح صادق، في تصريحات خاصة لموقع نيوز رووم، أن التحولات الاقتصادية أثرت بشكل مباشر على شكل العلاقات الأسرية، موضحًا أن الأسرة في الماضي كانت تمتلك أدوات سيطرة أقوى، خاصة في ظل قدرتها على الدعم المالي، بينما تراجعت هذه القدرة لدى قطاعات من الطبقة المتوسطة.
وأضاف أن ما حدث في هذه الواقعة المؤلمة، التي قامت فيه أم بقتل خمسة من أبنائها بمساعدة ابن لها، يعكس مزيجًا من اليأس النفسي والضغوط المعيشية والاجتماعية، مؤكدًا أن المرض المزمن كسرطان الأب أو أحد أفراد الأسرة يزيد من حدة الشعور بالعجز وفقدان القدرة على التعامل مع الضغوط.
وأشار إلى أن غياب الدعم الأسري والمجتمعي، إضافة إلى الانفصال أو هجر الزوج، يتركان الأم وحدها في مواجهة تحديات جسيمة، ما قد يدفع البعض إلى اتخاذ قرارات كارثية في لحظات ضعف شديد.



