عاجل

تجد أوروبا نفسها وحيدة تواجه عاصفة كاملة الأركان، فعلى الجبهة الشرقية، تستمر آلة الحرب الروسية في زعزعة الاستقرار، ليس فقط عبر جبهات القتال في أوكرانيا التي دخلت عامها الرابع، بل والأخطر من خلال حرب هجينة ممنهجة تستهدف البنية التحتية الحيوية للقارة، حيث كشفت بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام عن قفزة نوعية في واردات الأسلحة الأوروبية بلغت ثلاثة أضعاف المعدلات السابقة، مما يعكس تحولاً جذرياً من سياسة "الهدوء الاستراتيجي" إلى حالة "الاستنفار العسكري" الشامل التي تجتاح القارة، ولكن التهديد الأكثر إيلاماً هذه المرة لا يأتي من موسكو وحدها، بل من حليف الأمس الأول واشنطن، التي تحولت في عهد إدارتها الجديدة من حامية المظلة الأمنية إلى مصدر قلق وجودي بحد ذاتها، فبعد أن كان الخبراء الأوروبيون يرون في انسحاب الضمانات الأمريكية تهديداً موازياً لاستخدام روسيا السلاح النووي من حيث الشدة، هم اليوم يواجهون واقعاً صادماً تجسد في خطة السلام الأمريكية المكونة من 28 نقطة والتي تسربت في نوفمبر 2025، والتي لم تظهر واشنطن فيها كحليف لأوروبا بقدر ما ظهرت كوسيط يبحث عن صفقة مع موسكو على حساب المصالح الأوكرانية والأوروبية، والأكثر إيلاماً هو ذلك التقرير الاستراتيجي الأمريكي الذي صنف أوروبا على أنها مهددة بـ"المحو الحضاري" وأظهر استعداداً لاستثمار المقاومة الداخلية ضد توجهاتها السياسية، وهي لغة لم يعتد الأوروبيون سماعها إلا من خصومهم التقليديين.

في مواجهة هذا الفراغ المزدوج، بدأت العواصم الأوروبية تتحرك على أكثر من مسار، ففي الشرق، أظهرت بولندا ورومانيا تفضيلاً واضحاً للأنظمة الأمريكية مثل باتريوت، ليس فقط لتفوقها النوعي، بل كوسيلة لـ"شراء الحماية" وضمان بقاء واشنطن معنياً بأمن المنطقة، بينما على الساحة الداخلية، تشهد القارة الأوروبية القديمة تحولاً دراماتيكياً، ففي خطوة كانت تعتبر من المحرمات قبل سنوات قليلة، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن عقيدة "الردع المتقدم" التي تفتح الباب أمام دول مثل ألمانيا وبولندا للمشاركة في النظام البيئي للردع النووي الفرنسي عبر نشر طائرات رافال القادرة على حمل رؤوس نووية في قواعد أوروبية بشكل دوري، وهو ما قابله المستشار الألماني فريدريش ميرتس بتشكيل "فريق توجيه نووي" مشترك مع باريس، منهياً بذلك عقوداً من الحساسية التاريخية الألمانية تجاه السلاح النووي.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا السباق نحو الاستقلال الاستراتيجي يصطدم بواقع مرير، فبينما يرفع الأوروبيون شعارات السيادة الدفاعية، لا تزال القارة تعتمد على واشنطن في تأمين 38% من احتياجاتها التسليحية الإجمالية، وفي أرقام أكثر إيلاماً، تستحوذ أوروبا على 42% من احتياجاتها الدفاعية من السوق الأمريكية، مما يعني أن أي نقص في الإمدادات بسبب انشغال واشنطن بجبهات أخرى، كالتوتر مع إيران، سيترك أوروبا في حالة "انكشاف استراتيجي" حقيقي.

وفي الوقت الذي تتصارع فيه النخب الأوروبية بين رغبتها في طمأنة المواطنين وبين إدراكها العميق لحجم التهديد، تستمر روسيا في لعبة الاستنزاف البطيء عبر هجماتها الهجينة التي وصلت ذروتها في خريف 2025، حين اخترقت حوالي 20 طائرة مسيرة روسية الأجواء البولندية في شهر واحد فقط، وانتهكت ثلاث طائرات ميغ 31 الأجواء الإستونية لـ12 دقيقة كاملة، مما اضطر البلدين لاستشارة حلف الناتو بموجب المادة الرابعة هذا الوضع المركب بين تراجع الالتزام الأمريكي وتصاعد العدوانية الروسية يضع أوروبا أمام اختبار وجودي حقيقي إما أن تتحول من مستهلك للأمن إلى منتج حقيقي له بامتلاك أدوات الردع الشامل، أو أن تظل رهينة التحولات السياسية في واشنطن وحسابات المغامرة في موسكو، وهو ما يفسر التحذير القاسي الذي أطلقه الأمين العام للناتو مارك روتي في ديسمبر 2025 عندما قال: "علينا أن نكون مستعدين لحرب بحجم ما عانى منه أجدادنا، ففي عالم 2026، لم يعد هناك متسع للأوهام، ولم يعد الخط الفاصل بين الحليف والخصم واضحاً كما كان، بل أصبحت القارة العجوز تبحث عن ذاتها وسط أنقاض النظام الذي بنته يداها ويدا حليفها الأمريكي على مدى ثمانية عقود مضت

تم نسخ الرابط