الدكتور الأب رفعت بدر: المقارنة بين المسيح وجنكيز خان غير مبررة
قال الدكتور الأب رفعت بدر، مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام، في إحدي كتاباته مؤخرًا، إن المقارنة التي أثيرت مؤخرًا بين السيد المسيح وجنكيز خان على خلفية تصريحات لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي اعتبرت أن القوة العسكرية والفتوحات تجعل من القادة العظام أكثر تفوقًا من أصحاب الرسالات الأخلاقية، هي مقارنة صادمة وغير مبررة. وهي، بحسب بدر، لا تكشف عن قراءة دقيقة للتاريخ، بقدر ما تعكس أزمة عميقة في فهم معنى القوة نفسها.
المسيح: قوة بلا سيف وسلطان قائم على القلب
وأوضح الأب رفعت بدر أن السيد المسيح، بحسب الشهادة الإنجيلية والتاريخية، لم يكن قائد حرب، ولم يسعَ إلى تأسيس ملك أرضي قائم على القوة المادية. بل أعلن بوضوح أمام السلطة السياسية آنذاك، ممثلة بالقائد الروماني بيلاطس، أن "مملكتي ليست من هذا العالم"، مؤكدًا أن سلطانه لا يقوم على البطش ولا على إخضاع الشعوب، بل على تحويل القلب الإنساني. وحين أشهر بطرس السيف دفاعًا عنه، جاءه الرد الحاسم: "رُدَّ سيفك إلى غمده، لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون".
وأضاف بدر أن فلسفة المسيح كانت مضادة تمامًا لمنطق العنف، ومؤسسة على رؤية إنسانية عميقة قوامها السلام، حيث قال: "طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يُدعون".
جنكيز خان: القوة العسكرية وسفك الدماء
وفي المقابل، يمثل جنكيز خان نموذجًا مختلفًا تمامًا، قائدًا عسكريًا بنى إمبراطوريته على التوسع والهيمنة وسفك الدماء، ولا يمكن إنكار أثره التاريخي، لكنه أثر مرتبط بالدمار بقدر ما هو مرتبط بالقوة المادية.
وأشار الأب رفعت بدر إلى أن التساؤل الذي يفرضه التاريخ هو: هل تُقاس عظمة الإنسان بقدرته على السيطرة، أم بقدرته على الارتقاء بالإنسان؟
وذكر بدر قصة ميلاد جنكيز خان، الذي وجد عند ولادته والده ممسكًا بكتلة دم، واعتُبر مقاتلًا شرسًا منذ البداية، متسائلًا: “هل يمكن مقارنة هذه الولادة بولادة أمير السلام في مغارة صغيرة وهادئة في بيت لحم، وفوق رأسه كانت الملائكة ترنم: "المجد لله في العلا وعلى الأرض السلام؟".
المقارنة غير عادلة وخطيرة
وشدد الأب رفعت بدر على أن المقارنة بين المسيح وجنكيز خان ليست فقط غير متكافئة، بل تكاد تكون عبثية وخبيثة، لأنها تضع معيارين مختلفين في ميزان واحد: القوة المادية الزائلة مقابل القوة الأخلاقية الباقية، فالسلطة المبنية على القوة قد تُخضع الشعوب لفترة، لكنها لا تبني الإنسان، بينما القوة الأخلاقية، رغم ضعفها الظاهر، تغيّر مجرى التاريخ من الداخل.
التاريخ يبرز من ترك أثرًا خالدًا
وأشار الأب رفعت بدر إلى مفارقة لافتة في التاريخ، حيث يتذكر التاريخ القيم الحقيقية التي تبقى. ففي القرن الثالث عشر نفسه الذي شهد صعود جنكيز خان، عاش القديس فرنسيس الأسيزي، رجل السلام الذي تجرّد من كل شيء ليكسب الإنسان، وأسّس الرهبنة الفرنسيسكانية التي ما زالت حية في العالم. وذكر بدر أن ملايين الناس يزورون ضريح القديس فرنسيس اليوم في أسيزي تكريمًا لرسالته، بينما يبقى قبر جنكيز خان مجهولًا. وأضاف أن فرنسيس الأسيزي غامر بحياته وتوجه إلى مصر لمقابلة الحاكم الفاطمي آنذاك، حيث جرى بينهما حوار لطيف ما زال يدهش حتى اليوم المحاورين بين أتباع الأديان.
العنف ليس قوة حقيقية
وأكد الأب رفعت بدر أن القضية ليست في إنكار التاريخ أو تجاهل وقائعه، بل في كيفية قراءته. فتمجيد العنف تحت ذريعة "القوة" ليس إلا محاولة لإضفاء شرعية على ممارسات لا يمكن تبريرها إنسانيًا. وأضاف: "كما نقول في حياتنا اليومية في الأردن: 'الإنسان شو بده ياخذ معاه إلا السمعة الطيبة؟'"
المسيح انتصر بالضمير والقيم
وختم الأب رفعت بدر حديثه بالقول إن السيد المسيح لم ينتصر بالسيف، لكنه انتصر في ضمير البشرية. لم يؤسس إمبراطورية أرضية، لكنه أسس ضميرًا حيًا وقوة أخلاقية لا تزال تحرك الملايين نحو الخير. هذه هي القوة الحقيقية التي لا تزول. وأضاف: "حين يقول القائل إن ليس هناك أفضلية للمسيح على جنكيز خان، فهو في الحقيقة يشهد بالمسيح، الذي لا يمكن مقارنته بمنطق البطش والتفوّق العسكري، ولا حتى بالذكاء الاصطناعي حين يستخدم ضد كرامة الإنسان ويهدد البيوت والأرواح."
وأكد الأب رفعت بدر أن المقارنة بينهما توضح أن من يتبع نمط جنكيز خان يعيش العنف والتكبّر والتخبّط، بينما المسيح يقدم نموذجًا للطفو والتواضع وثقافة السلام.
استعادة معنى القوة الحقيقية
واختتم بدر بالتأكيد على أن في زمن تتكاثر فيه أصوات الحرب، تبقى الحاجة ملحّة إلى استعادة معنى القوة الحقيقية: قوة الرحمة، وقوة العدالة، وقوة السلام. فهؤلاء وحدهم، وليس قادة السيوف، هم الذين يكتب لهم التاريخ مكانًا من نور، وهم الذين لا يقارنهم التاريخ بالبطش والتهويل والتهجير.