في خضم الجدل المتصاعد حول المواجهة الدائرة في الشرق الأوسط بين إيران من جهة، والتحالف الأمريكي الإسرائيلي من جهة أخرى، يصبح من الضروري طرح موقف واضح يقوم على الفهم العميق، لا على الانحياز العاطفي أو التبسيط المخل.
هذه الحرب في جوهرها تعكس صراع نفوذ، وليس معركة قيم كما يُروَّج لها. فمن جانب، تقود الولايات المتحدة تحالفًا يفرض هيمنته ويتجاوز قواعد القانون الدولي، في ظل دعم كامل لإسرائيل، التي تواصل سياسات عدوانية وانتهاكات مستمرة بحق الشعب الفلسطيني، وترفض بشكل واضح أي مسار حقيقي نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
ومن جانب آخر، لا يمكن إغفال طبيعة النظام الإيراني، الذي يقوم على مرجعية دينية صارمة، ويتعرض لانتقادات واسعة بسبب ممارساته الداخلية، إلى جانب أدواره الإقليمية التي أثارت جدلًا كبيرًا بسبب تأثيرها على استقرار عدد من الدول العربية.
أما مصر، فدائمًا ما كان موقفها تاريخيًا قائمًا على التوازن والحفاظ على استقرار المنطقة. عبر تاريخها، لم تنخرط في مشاريع توسعية أو صراعات عبثية، بل سعت إلى حماية الأمن القومي العربي والحفاظ على تماسك الدول. وعلى العكس، لم تكن العلاقة مع إيران في كثير من مراحلها علاقة مستقرة أو داعمة، بل شهدت توترات واختلافات حادة، خاصة فيما يتعلق بملفات الإقليم والتدخلات في الشؤون العربية.
هذا السلوك الأمريكي المتغطرس، والذي يضرب عرض الحائط بمبادئ الشرعية الدولية، يجب مواجهته ورفضه. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن الانخراط في اصطفاف أعمى، لأن الطرف المقابل لا يمثل نموذجًا يُحتذى به أو شريكًا يمكن الوثوق في توجهاته تجاه المنطقة.
من هنا، أرى أن الحياد في هذه المعركة ليس ضعفًا، بل ضرورة. حياد تجاه حرب تدور بين أمبريالية متغطرسة، وبين نظام ديني شديد العدوانية، لم يكن يومًا داعمًا حقيقيًا للأمن القومي العربي.
ورأيي الواضح كذلك: ليس لدي أي إشكال مع الشيعة، ولا مع أي معتقد أو دين، فأنا أؤمن بحرية الإيمان وحرية الضمير بشكل كامل. لكن لا يمكنني أن أتعاطف، مهما كان البلد، مع أي نظام يمارس القتل يوميًا، ويقمع الحريات، ويضيق على المعارضين، ويمنع التعددية السياسية، ويقلب على شركائه ويقصيهم. هذا بالنسبة لي حد أدنى من القناعات الأخلاقية والفكرية التي لا يمكن التنازل عنها.
في النهاية، ليس كل صراع يُفرض علينا يجب أن ننخرط فيه، وليس كل معركة تستحق أن نكون طرفًا فيها… أحيانًا، يكون الوعي الحقيقي هو أن تدرك أن هذه الحرب ليست حربك، حتى لو كنت من سيدفع ثمنها