عاجل

دعاء خطبة العيد بحق فاطمة وأبيها.. ماذا قال الجفري عن القمار السياسي للمتسلفة؟

الحبيب الجفري
الحبيب الجفري

حذر الحبيب علي الجفري من استخدام الدين في العدوان الإيراني على دول الخليج، موضحًا أنه لا تزال مسالكُ التلاعبِ بالدِّين في خِضم الصراعات السياسية تتجدد مع تجدد مصائب الأمة، وإلى الله المشتكى.

حربٌ تنافسية على النفوذ ومواطن الطاقة

وقال الجفري: الحرب الجارية ليس للإسلام فيها ناقةٌ ولا جمل، بل هي حربٌ تنافسية على النفوذ ومواطن الطاقة أينما كانت، سواء كانت في منطقتنا، أم في أمريكا الجنوبية، ومهما اختلفت الأدوات والأساليب والسياقات والأذرع، فهي صراعات بين دول تتنافس على قيادة العالم، وما الكيان المحتل الغاصب، ونظام الملالي إلا كيانات وظيفية في هذا الصراع، لها أطماعها التوسعية التي سقفها الإقليم، مع الطمع الواهم في امتداد التأثير والنفوذ العالمي.

وأوضح: قد لاحظت صنفين من التلاعب بالدين من فريقين اتخذا الدين لعبًا، وهما  على النقيضين من المواقف.

ادعاءات الحرب الصليبية الصهيونية

الأول: صدر بيان باسم علماء المسلمين، زورًا وكذبًا، دون تخويلٍ من العلماء لهم بتمثيلهم،  من هيئة اتخذت من نصرة النبي ﷺ شعارًا لها، ومفاده أن الحرب الجارية صليبية صهيونية، ولذلك يحرم على الدول العربية والإسلامية التي يتم قصفها، بيوتًا ومطارات ومنشآت للطاقة، أن ترد على من يعتدي عليها، كي لا تكون بذلك، كما يزعمون، في صف الصليبيين والصهاينة ضد المسلمين.

وما أمثال هذه البيانات إلا لعبٌ بالديانة على طاولة القمار السياسي، فلم يرفض بالأمس عددٌ من الأسماء الموقعة على هذا البيان الاستغاثة بالولايات المتحدة الأمريكية من على منصة اعتصام رابعة، لإعادتهم إلى السلطة، وكأنها في ذلك الموقف لم تكن الصليبية التي هي عليه اليوم كما يصفونها.

لقد كان نص الهتاف على المنصة صريحًا في الاستغاثة: باللغة الإنجليزية: " America Free Egypt" وترجمته: "أمريكا، حرري مصر" *

وعندما أعلن أحد المتكلمين في منصة رابعة بأن البوارج الأمريكية تقترب من الحدود المصرية، وصرخ قائلًا: "تكبييير"، فضجّ الميدان بالتكبير؛ هل كانت تلك البوارج في ذلك الموقف صليبية كما تصفونها الآن؟!

وعندما وقف عدد من قيادات الجماعة في امريكا على أبواب أعضاء الكونجرس وأحدهم يرتدي ربطة عنق على هيئة العلم الأمريكي، أما كان ذلك استعانة بالصليبيين على المسلمين؟!

وعندما قال أحد كبار الموقعين على هذا البيان بأن النبي استعان باليهود على أعدائه، وأفتى مع رئيس اتحاد علماء [الإخوان] المسلمين آنذاك بالاستعانة بحلف الناتو ضد نظام ليبيا البائد، ألم يكن استعانة بالصليبيين؟

وعندما استعان نظام الملالي بالكيان الصهيوني الغاصب والدولة "الصليبية" في تزويده بالأسلحة ليواصل حربه مع النظام العراقي آنذاك، فيما عُرف بفضيحة "إيران كونترا" بفتوى من قائد الثورة الأول كما شهد على ذلك رئيسها الأول، ثم تعاون مع "الصليبيين" في غزو أفغانستان والعراق، كما صرح بذلك ثلاثة ممن تولوا رئاسته، ألم يكن في ذلك ما يلزم منه التحريم؟

وتساءل: فمالكم كيف تحكمون؟! أم أن تصنيف الولايات المتحدةَ الجماعةَ ضمن قوائم الإرهاب، جعلها دولة مرتدة عن الحق إلى الصليبية؟!

وشدد على أن الألفاظ لها دلالات وتأثير، فلا نقول: إيران "أخطأت" بضرب الخليج. بل نقول: "عدوان" النظام الإيراني على الخليج. تمامًا كما نقول: "العدوان" الصهيوني على إيران.

دعاء خطبة العيد بحق فاطمة وأبيها 

الثاني: قامت الدنيا ولم تقعد على الشيخ سيد عبد البارئ خطيب صلاة العيد في مصر عندما توسل بالنبي ﷺ وأهل بيته، فاطمة وعلي والحسنين. وهذا أمرٌ اعتدناه من إخوتنا المتسلِّفة عندما يخالف أحدٌ منهجهم في منع التوسل بالذوات المتوفاة إلى موافقة جمهور أهل السنة القائلين بجوازه.

لكن وجه التلاعب بالدين على طاولة القمار السياسي هنا هو محاولة ربط الأمر بالحرب التي تدور رحاها، والتأليب على من يخالف منهجهم بإلصاق تهمة التشيع به.

وفي هذا التلاعب مُعْضِلتان أو كارثتان:

المُعضِلة الأولى: اعتبار محبة أهل البيت وإجلال قدرهم والتوسل بهم مسلكًا مخالفًا لأهل السنة، وإلصاق تهمة الرفض بمن يسلكه، مُتأسّين في ذلك بالنواصب الذي حاولوا تأليب هارون الرشيد على الإمام الشافعي رحمه الله، فكان رده عليهم:

إذا فى مجلسٍ نذكر عليًّا
وسبطيه وفاطمةَ الزكيَّة

يُقال تجاوزوا يا قوم هذا
فهذا من حديث الرافضية

برئتُ إلى المهيمنِ من أُناسٍ
يرون الرفضَ حُبَّ الفاطمية

وقال رحمه الله بعد أن فاض به الكيل من هذه الحماقات:

يا راكِبًا قِف بِالمُحَصَّبِ مِن مِنىً
واهتِف بِقاعِدِ خَيفِها والناهِضِ

سَحَرًا إِذا فاضَ الحَجيجُ إِلى مِنىً
فَيضًا كَمُلتَطِمِ الفُراتِ الفائِضِ

إِن كانَ رَفضًا حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ
فَليَشهَدِ الثَقَلانِ أَنّي رافِضي

وأهل السنة الذين يمثلون قلب هذه الأمة وغالبية تعدادها، منهجم يقوم على محبة أهل البيت والصحابة وإجلال قدرهم، رضي الله عنهم أجمعين، ومعرفة حق صلتهم بالنبي ﷺ، وعدم التفريق بينهم. وتجد الغُلاة في الاتجاهين يتهمونهم بتُهمَتَي الرفض والنصب المتناقضتين**، كما عبّر عن ذلك إمامنا الشافعي بقوله:

إذا نحنُ فَضَّلنا عليًّا فإننا
روافضُ بالتفضيلِ عندَ ذوى الجهلِ

وفضلُ أبى بكرٍ إذا ما ذكرتُهُ
رُميتُ بِنَصبٍ عندَ ذِكْريَ للفضلِ

والمُعضِلة الثانية: أنهم لم يتورعوا عن إلباس هذه الحرب ثوب الطائفية، وكأنها حرب عقيدة بين السنة والشيعة، وهذا لعمري هو التماهي مع مراد العدو الذي تسرُّه رؤية سائر المنطقة، بل الأمة، وهي تغرق في الاقتتال الطائفي كما فعل بالأمس في العراق وغيرها.

وهذه الخطيئة إن نجح هؤلاء الأغرار في إقناع قصيري النظر من أصحاب القرار بارتكابها، بدعوى نجاح البعد التعصبي العقدي في التحشيد والالتفاف حول الوطن في هذه المرحلة الحرجة، فستكون القاضية على اللحمة الوطنية، وستُغرِق البلاد والعباد في دائرة الاقتتال الطائفي، ولن تقوم لها قائمة، لا قدّر الله ذلك.

فالطائفة الشيعية، بمذاهبها الزيدية والإمامية والإسماعيلية، وإن اختلفنا وإياهم في المعتقدات والاجتهادات، مع تفاوت كبير في درجات الاختلاف مع مذاهبهم، غير أنهم جزء أصيل من نسيج الوطن في سائر دول الجزيرة العربية، والعراق وباكستان، وتركيا، وأذربيجان، وغيرها من البلاد.

وإذا كان فيهم من تم اختطاف ولائه بتضليل نظام ولاية الفقيه العامة، ودعوى المقاومة، وأكذوبة تصدير الثورة الإسلامية، فهؤلاء يُحاسبون على خيانتهم، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

ولقد خان الأهل والوطن بل والدين أضعافُ عددهم ممن ينتسبون إلى أهل السنة، في التاريخ الماضي وفي الحاضر، فلا يحملنا الغضب أو الخوف على مسلكٍ نتسبب فيه بتقسيم شعوبنا على أساس الانتماء الحركي أو الطائفي، لنهدم بيوتنا بأيدينا، والعياذ بالله.

واختتم:  تحويل الصراع من حرب ذات خلفية سياسية إلى حرب دينية على أساس جهادي، أو على أساس طائفي، هو جريمة وخيانة للدين والوطن معًا، وعواقبه وخيمة بل مخيفة.

وشدد: لست مع طرفٍ من الدول الكبرى المتنافسة على مصادر الطاقة في هذه الحرب المجنونة، وليس لي انتماء سياسي، غير أن التلاعب بالدين، وجعل أحكام الشرع المصون كالمركب الذي تتلاعب به الرياح وفق الأهواء هو أمر مرفوض، ولا يجوز السكوت عنه.

استقيموا يرحمكم الله، واتقوا الله في إيمان الأجيال المقبلة، وفيما تبقى لهم من ثقة في الدين، وفي المنتسبين إلى خدمته، ولتكن لكم غيرة على الاسم الذي أطلقتموه على جماعتكم من إخوّة المسلمين، أو نسبتكم إلى السلف، أو على هيئاتكم من نصرة النبي ﷺ وسُنّته، فغدا يرد الناس على حوضه، عطاشًا طامعين في شربة ماء من يده الشريفة ﷺ، ونحن وإياكم منهم، أعاذنا الله من أن نكون في الفريق الذي يحال بينهم وبينه.

تم نسخ الرابط