عاجل

الدراويش يصلحون لحلقات الذكر لا لميادين القتال. الدراويش إذا قاتلوا فهم وقود المعارك، وإذا قادوا فهم وبلادهم أهداف سهلة.

إذا تعاملت الجيوش بأسلوب الميليشيات تُهزم، وإذا قاتلت الميليشيات بطريقة الجيوش تُهزم. فالجيش تقف وراءه دولة (شعب وأرض ونظام)، أما الميليشيا فتقف خلفها طائفة عرقية أو إثنية. الجيش يدرس عدوه ويخطط لهزيمته، يدرس أسلحته ويفحص أساليب قتاله ويفهم طريقته في التخطيط. بينما الميليشيا تعمل وفق مقتضيات الحالة التي تحارب لأجلها، وتقاتل بطريقة لا تضع حسابات المكاسب والخسائر كأولوية.

المشكلة الكبيرة أن بعض الجيوش تتحول بفعل الدروشة إلى ميليشيات، وللسبب نفسه تتحول الميليشيا إلى جيش بلا دولة، وسلاح بلا خطة. لذلك فهزيمة الاثنين حتمية.

وفي فن الحرب:
معرفة الآخر ومعرفة النفس، في مئة معركة، لا خطر.
عدم معرفة الآخر مع معرفة النفس: انتصار لقاء هزيمة.
عدم معرفة الآخر وعدم معرفة النفس: هزيمة مؤكدة في كل معركة.

وفي مذكرات الفريق سعد الدين الشاذلي رحمه الله:
«لم نكفّ عن التفكير في الهجوم على العدو حتى في أحلك ساعات يونيو 1967. كان الموضوع ينحصر في: متى يتم ذلك؟ وفي خريف 1967 بدأت القوات المسلحة تستطلع إمكان القيام بذلك على شكل “مشاريع استراتيجية” تُنفَّذ مرة كل عام. وحيث إن إسرائيل كانت تتفوق علينا تفوقاً ساحقاً، كان مديرو المشاريع الاستراتيجية يفترضون امتلاكنا لقوات ليست موجودة، حتى يمكن تنفيذ مشروع الهجوم بما لا يتنافى مع العلم العسكري.

كان المديرون يضعون الخطة على أساس ما يجب أن يكون إذا أردنا القيام بعملية ناجحة. ومنذ عام 1969 أخذت قواتنا تزداد قوة، وبذلك أخذت الثغرة بين إمكاناتنا الهجومية وخططنا الهجومية في المشاريع الاستراتيجية تضيق شيئاً فشيئاً، حتى تم إغلاقها تماماً في المشروع الأخير، وهو حرب أكتوبر 1973».

ويوثق الجنرال الراحل كيف كانت مرحلة الإعداد قاسية وصعبة، وكيف كان التخطيط العلمي والتجهيز البدني والذهني للمقاتل المصري شاقاً. وإذا ما طالعت مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي، والفريق محمد فوزي، والفريق عبد المنعم واصل، وغيرهم، ستعرف أن النصر لم يكن بالدعاء أو الشعارات، بل كان بالعقل والخبرة والعلم والتفكير المحكم والعمل المتقن.

مصر لم تدخل حرب أكتوبر تحت الإلحاح الشعبي أو الرغبة الوطنية الجارفة. لم تدخل الحرب لأنها تريد رد الاعتبار أو تحرير الأرض وحسب. مصر دخلت هذه الحرب العظيمة عندما كانت جاهزة بالعلم، ومستعدة بالتدريب، ومتمكنة بالآليات. كل شيء كان يوحي بأن مصر هامدة، في حين كان هناك رجال يواصلون الليل بالنهار لأنهم يعرفون أن الحرب ليست بالتمنيات، وتحرير الأرض ليس بالهتافات.

كان العدو واثقاً من عدم قدرة المصريين على العبور، فكل الموانع والعقبات تقف في وجههم. حتى إن أليعازر، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي خلال حرب أكتوبر، نقل عن موشيه ديان، وزير دفاعه، أنه كان يسخر عند مناقشة فرضية هجوم المصريين، وقال في أحد الاجتماعات:
«لكي تستطيع مصر عبور قناة السويس وخط بارليف فإنها تحتاج إلى سلاحي المهندسين الروسي والأمريكي معاً».

وكان هذا الكلام يحظى بتأييد واسع من الضباط الإسرائيليين، وفي مقدمتهم الجنرال بارليف. وفي هذا التصور ثقة عالية بما شيدته إسرائيل من موانع، لكن غاب عن أذهانهم فهم الشخصية المصرية التي تقويها المحن وتنضجها التحديات.

الحرب ليست طموحاً، لكنها خطط وتدريب. ليست حالة غضب تنهيها بصفع خصمك، لكنها فهم عميق لما يملكه عدوك. ليست شعارات تُرفع أمام الجماهير الغاضبة، لكنها خطط توضع بعلم، وخرائط تُرسم بواقعية. ليست ثقة زائدة أو ناقصة، لكنها تعبير أصيل عن قدرات واقعية. ليست صوراً زائفة تُبرز في الاستعراضات، لكنها جهد شاق في ميادين التدريب. ليست هتافات حماسية تلهب الصدور، لكنها عمل دؤوب ودروس متجددة.

الحرب حين تدور تعكس حال الأمة: قوة ذكية، وصلابة فولاذية، إرادة جادة وإيمان عميق، ماكينات تدور ومصانع تنتج.

في عام 1967 كان صوتنا أعلى من مدافعنا، وشعاراتنا أكثر من خططنا، وأحلامنا أكبر من إمكاناتنا. لذلك باغتنا العدو لأننا انشغلنا بما هو أدنى.

وفي عام 1973 كان عملنا أعلى من أصواتنا، وأكبر من شعاراتنا، فنجحنا وانتصرنا.

تم نسخ الرابط