مسلسل حكاية نرجس واحدًا من أبرز التجارب الدرامية التي عُرضت خلال موسم رمضان، حيث أعاد تسليط الضوء على قدرة الأداء النسائي في صناعة الدراما العربية. وفي قلب هذا العمل، تقدّم ريهام عبد الغفور أداءً لافتًا يمكن اعتباره من أكثر محطاتها الفنية نضجًا وتعقيدًا.
منذ اللحظة الأولى، تنجح ريهام عبد الغفور في تشييد ملامح شخصية “نرجس” عبر تفاصيل دقيقة تتجاوز حدود النص الدرامي، مستندة إلى أدوات تمثيلية رصينة تقوم على الاقتصاد في التعبير، والقدرة على توظيف الصمت والنظرات بما يوازي قوة الحوار. هذا الأداء يعكس خبرة تراكمية واضحة، ويضعها ضمن قائمة الممثلات القادرات على قيادة عمل درامي كامل بثقة، دون الوقوع في فخ المبالغة أو الافتعال.
على المستوى السردي، يقدّم المسلسل معالجة نفسية واجتماعية معقدة لشخصية تعيش صراعًا داخليًا حادًا؛ امرأة تعاني من العقم، وتتحول رغبتها المكبوتة في الأمومة إلى دافع مأزوم يدفعها نحو ارتكاب جرائم خطف الأطفال، في محاولة لإثبات قدرتها على الإنجاب. هذا التحول الدرامي الحاد يتطلب أداءً شديد الحساسية، قادرًا على الموازنة بين الهشاشة الإنسانية والانزلاق نحو الجريمة، وهو ما نجحت البطلة في تجسيده بوعي فني لافت، حيث قدّمت تطور الشخصية بشكل تدريجي ومقنع، دون قفزات درامية مفتعلة.
فنيًا، يمكن قراءة أداء ريهام عبد الغفور بوصفه نموذجًا لما يُعرف بـ”التمثيل الداخلي”، إذ تعتمد على التعبير غير المباشر، مستثمرة التفاصيل الصغيرة مثل ارتعاشة الصوت، وبطء الحركة، وثقل لحظات الصمت. هذه الأدوات منحت الشخصية عمقًا نفسيًا، وأسهمت في خلق حالة من التماهي بين المتلقي والعمل.
كما يُحسب للمسلسل حسن توظيف اللغة البصرية، خاصة عبر اللقطات القريبة التي عززت من حضور تعابير الوجه، وسمحت للأداء بأن يحتل مركز الصورة دون تشتيت. وقد استثمرت البطلة هذا العنصر بذكاء، مؤكدة قدرتها على ملء الكادر بحضورها الهادئ والمكثف.
في المحصلة، لا يمكن اختزال “حكاية نرجس” في كونه عملًا دراميًا تقليديًا أو مستلهمًا من واقعة واقعية، بل يتجاوز ذلك ليصبح مساحة حقيقية لاستعراض نضج أداء تمثيلي متكامل. وسيظل هذا الدور علامة فارقة في مسيرة ريهام عبد الغفور، ودليلًا على أن الأداء الصادق لا يزال قادرًا على فرض حضوره في زمن تهيمن عليه الوتيرة السريعة والاستهلاك البصري.
أخيرًا، يفتح العمل أفقًا لنقاش أوسع حول أهمية النصوص التي تمنح الممثلين مساحات حقيقية للإبداع، ويؤكد أن الدراما لا تزال قادرة على إنتاج أعمال عميقة ومؤثرة، متى توفرت لها عناصر فنية متماسكة.