ذكرى نياحة البابا شنودة الثالث.. تفاصيل احتفاء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية
تحتفي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، اليوم الثلاثاء، بذكرى نياحة البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية رقم 117، الذي رحل عن عالمنا في 17 مارس 2012، بعد حياة حافلة بالخدمة الروحية والوطنية.
يُعد البابا شنودة أحد أبرز الشخصيات الدينية في العصر الحديث، الذي جمع بين القيادة الروحية، والعمل الوطني، والدور الدولي في تعزيز صورة الكنيسة القبطية في العالم.
ذكرى نياحة البابا شنودة الثالث
وُلد البابا شنودة الثالث باسم نظير جيد روفائيل في مدينة منفلوط بمحافظة أسيوط عام 1923، ونال تعليمه الأكاديمي في كلية الآداب قسم التاريخ، قبل أن يلتحق بالكلية الإكليريكية ويبدأ مسيرته الكنسية. عمل لفترة كضابط احتياط في الجيش المصري، ثم مدرسًا، قبل أن يكرس نفسه بالكامل للخدمة الدينية ويصبح مدرسًا في الكلية الإكليريكية، ثم راهبًا باسم أنطونيوس السرياني، وقسًا، ثم أسقفًا عامًا للتعليم الديني والمعاهد المسيحية.
خلال فترة أسقفيته، أسس البابا شنودة برامج تعليمية وروحية استهدفت مختلف فئات المجتمع، وأصبح اجتماع الأربعاء الأسبوعي حدثًا سنويًا يجمع آلاف المؤمنين للاستماع إلى عظاته ومحاضراته الروحية. كما أسس مجلة الكرازة، التي استمرت في نشر تعاليم الكنيسة طوال فترة حبريته.
على الصعيد الوطني، اشتهر البابا شنودة بمواقفه الواضحة والثابتة تجاه قضايا الوطن. كان حريصًا على تعزيز الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، ودعم الدولة المصرية في الأزمات المختلفة. وكان دائمًا يؤكد أن حماية مصر واستقرارها واجب وطني، وأن دور الكنيسة يتمثل أيضًا في الوعي المجتمعي والمسؤولية الوطنية. وقد واجه تحديات سياسية كبيرة، من بينها فترة التحفظ في الثمانينات، والتي تحملها بصبر وصمود قبل أن يعود لاستكمال دوره القيادي.
دوليًا، لعب البابا شنودة دورًا بارزًا في تمثيل الكنيسة القبطية على المستوى العالمي، حيث قام بعدة رحلات رعوية شملت الولايات المتحدة، أوروبا، أستراليا، وبلاد الشرق الأوسط، بهدف تقوية الروابط مع أبناء الكنيسة في المهجر وتعريف العالم بمواقف الكنيسة تجاه القضايا الإنسانية والسياسية. كما شارك في مؤتمرات دولية وعمل على بناء جسور تواصل مع الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، مؤكدًا على أهمية التعاون والحوار رغم الاختلافات العقائدية.
كان للبابا شنودة دور محوري في الحوار المسكوني، حيث شارك في لقاءات لاهوتية مهمة مع الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأرثوذكسية الأخرى، وعمل على صياغة اتفاقيات لاهوتية لتعزيز الفهم المشترك، مثل الاتفاق حول طبيعة السيد المسيح مع الكنائس البيزنطية، كما دعم الحوار مع الكنيسة الأنجليكانية ومجلس الكنائس العالمي، لتعزيز التفاهم والعمل المشترك.
أما على المستوى الإسلامي–المسيحي، فقد حرص البابا شنودة على إقامة علاقات قوية مع الأزهر الشريف، مؤكدًا على أهمية الحوار بين الأديان في ترسيخ قيم التسامح والسلام والعيش المشترك. وتواصل مع كبار شيوخ الأزهر، وشارك في لقاءات ومبادرات تهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية، ومواجهة الفكر المتطرف، والعمل على نشر ثقافة المحبة والتعايش بين جميع المصريين.
كما أسس البابا شنودة خلال فترة حبريته مؤسسات علمية وثقافية وقنوات إعلامية مثل قناة أغابي وCTV، وأسهم في تطوير الكلية الإكليريكية ومعاهد التعليم المسيحي، مما عزز من التعليم الديني والوعي الروحي بين الأجيال. وأثرى المكتبة القبطية بمئات الكتب والدراسات التي تتناول الحياة الروحية واللاهوتية، مثل تأملات في الصوم والقيامة، واللاهوت المقارن، والخدمة الروحية، والوصايا العشر، وحياة الفضيلة والتقوى، ما جعلها مرجعًا هامًا للدارسين والمؤمنين على حد سواء.
رحل البابا شنودة الثالث في 17 مارس 2012 عن عمر ناهز 88 عامًا، بعد أربعين سنة من القيادة الروحية، تاركًا إرثًا متكاملاً يجمع بين الإيمان العميق، العمل الوطني، والدور العالمي، وحوار الأديان، والعلاقات المسكونية. وتظل ذكراه حيّة في قلوب المصريين والمسيحيين حول العالم، رمزًا للقيادة الحكيمة، والحوار البناء، والسعي المستمر للسلام والتعايش بين الأديان والشعوب.



